قاضٍ اقتحم عالم الأدب وأصدر عدداً من الروايات

العشماوي: يزعجني أبطال رواياتي… أنهم يحدثوني طيلة الوقت قاضٍ اقتحم عالم الأدب وأصدر عدداً من الروايات

القاهرة – ايمان مهران:
لم يمنعه منصبه وتوليه أرفع المناصب القضائية بالدولة، أن يكون روائيا وصاحب أكثر الروايات شهرة، منها «زمن الضباع»، «المرشد»، «تويا» والتي وصلت للقائمة الطويلة للبوكر للرواية العربية العام 2003، وأيضا «البارمان» التي فازت بجائزة أفضل رواية من الهيئة العامة للكتاب العام 2014 كما ترجمت إلى اللغة الفرنسية.
حول أحدث أعماله « تذكرة وحيدة للقاهرة « وعالمه الروائي، التقت «السياسة»، القاضي والروائي أشرف العشماوي.
– كيف تحولت من العمل القضائي إلى الروائي؟
* لا أعرف بالتحديد كيف حدثت مراحل التحول، كل شيء حدث بصورة فجائية متتابعة، الأمر بدا أشبه بزلزال وتوابعه، كتبت خواطر وقصصا قصيرة، فجأة ومن دون مقدمات في العام 1999، ثم شرعت في كتابة الرواية الأولى «زمن الضباع» ولكني توقفت وبدأت في كتابة «تويا»، لأجد نفسي أبتعد عنها وأعود للرواية الأولى، ظللت أتأرجح بينهما حتى اتممتهما، ثم بدأت انتبه إلى أن لدي مقدرة على كتابة رواية طويلة، بدأت تدريجيا انجذب لنداء خفي نحو استكمال مشروع روائي كبير، أفكار متزاحمة في رأسي تريد الخروج فتحت لها الباب مواربا قليلا ثم ما لبثت أن تركته على مصراعيه، الأمر ممتع جدا والتجربة وان تأخرت لكني أتمنى أن يكون في العمر بقية لأكتب كل ما أريد.

مجهود مضاعف
– كيف توفق بين عملك القضائي والأدبي؟
* الأمر يتطلب مني مجهودا مضاعفا، أعمل لمدة ستة أيام كل اسبوع، أكتب أو أجلس إلى الكتابة نحو ست ساعات يوميا، استريح شهرا ونصف الشهر كل العام بلا كتابة بالطبع هذا غير عملي في القضايا الذي يستغرق وقتاً كبيراً، كل ما نجحت فيه هو الفصل بين المهنة والموهبة، لكل منهما وقت منفرد متصل حتى انتهى من القضايا أولا، ثم أتفرغ للكتابة وهكذا كل شهر. المشكلة أنني أعتقد أن الكتابة لا تحب شريكا آخر معها.
– هل افادك العمل بالقضاء أدبيا؟
* بالطبع، أكسبني خبرات كثيرة متراكمة، أتاح لي فرصة الغوص في أعماق البشر أثناء لحظات ضعف قاسية في حياتهم، قبل أن يستقروا وراء القضبان أو تثبت براءتهم، لا شك أن عملي أفادني كثيرا.
– كيف جاءتك فكرة «تذكرة وحيدة للقاهرة»؟
* بسبب زيارة للنوبة في نوفمبر 2014، وقتها أخذني المكان تماما ثم سحرني الناس بطيبتهم وعفويتهم، أمر يكاد لا يصدق، لم يعد هناك بشر بهذا النقاء في أيامنا تلك، ولدت الفكرة هناك ونمت في عقلي، كنت أدون خطوطها العريضة يوما بيوم، طوال أيام الرحلة التي استغرقت بضعة أيام، بعدها بشهر عدت مرة أخرى لأيام ثلاثة منفردا للتأمل والمعايشة وسماع حكايات الجدود عن التهجير، كانت الرواية قد اكتملت تقريبا في عقلي، كنت أرى مشاهدها أمام عيني بوضوح وبدأت أستعد للكتابة بالفعل.
– كيف استطعت أن تصل إلى الوصف الدقيق لحياة النوبيين؟
* تعايشت معهم، أقمت في بيوت بعضهم، أكلت أكلهم، حضرت أفراحهم، شاركتهم آلامهم، حاولت كثيرا مساعدتهم للعودة لأراضيهم أثناء انتدابي بوزارة العدالة الانتقالية المسؤولة عن تنفيذ وتفعيل تشريعات الدستور المصري، لي أصدقاء منهم تعاونوا معي كثيرا في نقل تراثهم وثقافتهم التي ساعدتني في رسم شخصيات الرواية.
– هل يمكن للأديب أن يتعايش مع أبطال روايته؟
* جدا، هذا الأمر يسبب لي ازعاجا كبيرا في بعض الأحيان، أحلم بشخصيات رواياتي، اتحاور معها، أكلمها كأنها تجلس أمامي، بعضها يظل معي لفترة بعد صدور الرواية، أجد صعوبة في صرفها من ذهني.
النهايات المفتوحة
– لماذا تحبذ النهاية المفتوحة لأحداث الرواية؟
* النهاية المفتوحة تثير الخيال، في نفس الوقت هو مرآة للواقع، لا شيء حتمي في حياتنا، لا شيء مؤكد الا الموت، حتى الموت من بعده حياة، الأمر يسير نحو النهاية المفتوحة لأنه لا نهاية في الواقع.
– هل شخصية « دهب « واقعية؟
* ولدت من خلال رؤيتي لطفل صغير بالنوبة اسمه احمد عجيبة، اكتملت بالخيال والمعايشة والبحث، وان كنت أرى أن هذه الشخصية لا يمكن القول إنها واقعية، ونفس الشيء لشخصيات أخرى مثل شخصية نور الدين الشمسي فهي خيالية غرائبية من وحي الخيال. وهناك أيضا شخصيات رغم أنها ولدت من خيالي لكنها تتكون أولا من خلال شخصيات قابلتها، وهذا ما حدث مع بدر شفيق المغازي، الذي نسجت هذه الشخصية من خلال من أراهم بنادي الجزيرة بالقاهرة الذي أنا عضو به، ما سمعته من جدي عن أيام زمان بالنادي.
– لماذا اخترت أهل النوبة لتنسج حولهم روايتك؟
* لأن فكرتها عن المهمشين الذين لا يملكون القرار، النوبيون أكبر فئة مهمشة في مصر، تعرضوا لظلم كبير على مدار قرن كامل أو ما يزيد، كلنا شاركنا في ظلمهم بصورة أو بأخرى.
– هل طيبتهم المشهورين بها هي من أوقعت بهم في الكثير من المشكلات والأزمات؟
* بالطبع، هذا أمر لا شك فيه، البطل طيب أكثر من اللازم، يثق بسرعة في الآخرين، لا يتحرى الأمر، يندفع أغلب الأحيان، طبيعي أن يتورط في أمور كثيرة.
– هل من أهداف الرواية أن يأخذ المظلوم حقه بيده؟
* لا، لم أقل ذلك، قلت إن الظلم المتكرر يؤدي إلى الانفجار، علينا أن ننظر للمشكلة ونعالجها لا أن ننظر لرد الفعل وندينه.
– لماذا « تذكرة وحيدة للقاهرة؟
* لا أعرف تحديدا، هي جمل في الرواية، اعجبتني وأنا أكتبها، وجدتها مناسبة كعنوان، خصوصا أني قد اخترت عناوين أخرى قبلها لكنها لم ترضني.

فندق شبرد
– ماذا قصدت من الغلاف وبه صورة قديمة باهته بالأبيض والأسود؟
* الصورة لتراس فندق شبرد العريق بالقاهرة، الذي احترق العام 1952، اختفى من وقتها تماما، الصورة تعبر عن مشهد بالرواية وهو من المشاهد التي أعتز بها جدا وأحبها بصورة خاصة، كتبته بمزاج رائق جدا.
– لماذا اخترت تلك الفترة الزمنية للرواية؟
* لأنني ملتزم بأحداث حقيقية عن بناء خزان أسوان والسد العالي والتهجير، فكان طبيعيا أن تبدأ رحلة بطل الرواية من الأربعينات بالقاهرة حتى السبعينات.
– ما سر غرامك الكبير في الكثير من رواياتك بحقبة الأربعينات حتى السبعينات؟
* فترة ساحرة من تاريخنا، غنية بالأحداث، مثيرة، كنت أتمنى أن أعيشها، لكنني ولدت في نهايتها للأسف، من ثم رحت أعيش فيها حيوات أخرى كثيرة من خلال رواياتي كأنني لا أشبع منها أبدا.
– هل تعتبر الروائي الذي يستطيع التعبير عن أفكاره من خلال شخصياته وأبطاله ناجحا؟
* لا أظن ذلك، من الأفضل أن يعبر الكاتب عن آرائه في مقال، انما الرواية فن آخر، يطرح أسئلة ولا يقدم اجابات بالضرورة، يترك للقارئ مساحة للخيال والتفكير ليشارك الكاتب في ابداعه، أضع على لسان شخصيات رواياتي ما يناسبهم، لكنه ليس بالضرورة ما يعبر عن رأيي الشخصي، أنا ضد أن يقرأ القارئ الرواية معتقدا أنه يسمع صوت المؤلف.
– هل تهتم بكتابات غيرك من الأدباء العرب؟
* طبعا أهتم واقرأ لهم، اعتز بأستاذيتهم في فن الرواية، منهم على سبيل المثال لا الحصر امين معلوف، امير تاج السر، واسيني أعرج، صديقي الروائي الكويتي سعود السنعوسي.
– ما أهم رحلاتك والبلدان التي زرتها؟
* سافرت لبلدان كثيرة في أغلب دول العالم، زرت أغلب الدول العربية، اعتز جدا بزياراتي لمعرض الكتاب بالشارقة، معرض أبوظبي، فما لقيته من حفاوة كان بعيدا عن توقعاتي تماما، من التقيتهم من قراء ومعجبين بما أكتب كان يفوق ما قدرته بمئات القراء الحقيقيين، شعرت أنني وسط أهلي بالفعل، كذلك أعتز جدا بزيارتي لدولة السودان وما لمسته من ود من هذا الشعب الطيب.
– هل توافق على تحويل رواياتك إلى عمل درامي أو سينمائي؟
* وافقت بالفعل وبيعت كل رواياتي تقريبا لتحويلها لأعمال درامية، لكنني لا أشارك في كتابة السيناريو، مع مخرج كبير مثل على بدرخان الذي اشترى مني رواية «المرشد» لتحويلها إلى مسلسل في رمضان 2017، اجلس معه كثيرا ونتحدث في المعالجة الدرامية للرواية، وسيناريو الحلقات التي كتبها المخرج أسامة ابوالعطا، يشركاني في كل كبيرة وصغيرة من أجل أن يظهر العمل بصورة ترضيني.