العصبية خطر داهم

أحمد بن برجس

احمد بن برجس

المظاهر العصبية، سواء للقبيلة او الطائفة او الجماعة او الحزب، متفشية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وبشكل ظاهر وواضح، وتمر علينا يوميا عبارات تنم عن عصبية مقيتة وبغيضة، ولانسمع في المقابل من يمنع أبناءه او إخوانه او أصدقاءه او زملاءه او حتى يزجرهم عندما يتفوهون بها .
ليس في كتاب الله آية واحدة ولا ادنى منها، تمدح أحدا بعينه او لنسبه، ولا تذم أحدا بعينه او لنسبه، ما عدا الأنبياء والرسل وعتاة المشركين الذين ذمهم الله لخطورة أعمالهم على البشرية.
ان صريح الدين يحض على المحبة والتعاون والتآلف والتعامل مع الناس بالعدل والإحسان، يقول الرسول (صلى الله علية وسلم): “الا ان ربكم واحد وان اباكم واحد ، الا لا فضل لعربي على أعجمي ولا اعجمي على عربي ولا احمر على اسود ولا لاسود على احمر الا بالتقوى ، الا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم فاشهد”.
العصبية منذ ان ظهرت الى الوجود والى يومنا الحاضر ما رأى منها الناس الا الشر والفتن، فكل فتنة يليها عصبية وجهل، وكل شر دافعه عصبية وجهل مظلم وأول من اكتوى بنار العصبية العرب، وأكثر من ذاق ويلاتها العرب، قديما وحديثا، ففي العهد البابلي ذاق الناس القتل والموت جراء عصبية اعمت اعين الناس وما نجى منها الا من هرب الى رؤوس الجبال، واختفوا في كهوفها، وفي عهد الإكاسرة ذاق الناس انواع القتل والتشريد بسبب العصبية الممقوتة حتى جاء الإسلام فقضى على اوكارها، وهدم بيوتها، وازال مكامنها، الا ان البعض لا يزال يمارس هذه العنصرية لتأصلها في نفوسهم، فخلصنا الاسلام من عصبية الجاهلية الاولى، ونحن الان نعيش عصبية الجاهلية الثانية، هذه الجاهلية التي نبتت من خلال العصبية القبلية والطائفية والحزبية، وحتى العصبية المناطقية التي بدأت تظهر الى العلن شيئا فشيئا، وان استمرت وتطورت ستضاف حتما لما سبقها من العصبيات الممقوتة، فالذين اقتاتوا على العصبية الاولى ذهبوا فانبعثت عصبية الجاهلية الثانية التي استمدت قوتها وانتشارها من القبيلة او الطائفة او الحزب او الجماعة، فعشعشت في عقول أصحابها عبر تراكمات السنين، وستستمر ان لم يتصد لها العقلاء والعلماء، وذوو الرأي وتكثف كل الجهود لبيان مضارها ومخاطرها على المجتمع وعلى ابناء المجتمع الواحد .
ان العصبية خطر داهم على كل الأوطان والمجتمعات، دون استثناء، ولم يذكر التاريخ ان عصبية ما شيدت دولة او بنت حضارة، بل كثير من الدول إزالتها العصبية، وكثير من الحضارات هدمتها العصبية، وكثير من المجتمعات اندثرت بسبب العصبية.
نحن لا نطالب ان يكون الناس ملائكة، بل نطلب ان يعي الكل خطر العصبية وخطر التعامل بأدبياتهاالبغيضة، وفي المقابل العصبية للوطن هي اسمى واكرم انواع العصبية، لان الوطن للكل، واذا تعصب له الناس حافظوا عليه وتعايشوا فيه من خلال حبهم له وخوفهم عليه.
والتوعية بخطر العصبية مهمة جدا والمشكلة ليست بالشباب، بل تكمن في كبار السن الذين يزرعونها في عقول أبنائهم وأحفادهم منذ نعومة أظفارهم، فيكبر ويكبر التعصب معه ويورثها كما ورثها من ابائه وأجداده.
نحن، والحمد لله، في وطن يحكمه دستور حضاري يعامل الكل بشفافية والناس امامه سواسية لا فرق بين انسان وآخر، لجنسه او أصله او دينه، وهذا ما يجعلنا نقول ان العصبية الحقة للكويت فقط ولا غير الكويت، فالواجب على الجميع العمل على المحافظة على هذا الارث الحضاري المتمثل بنظام الحكم الفريد من نوعه بين دول العالم، والذي يعامل الناس الكل كالفرد الواحد والفرد كالكل لا فرق بين هذا وذاك الا بقدر ما يقدم للكويت واهل الكويت .
حفظ الله الامير وولي عهده من كل شر.
حفظ الله الكويت واهلها من شرور العصبية والتعصب .
عضو معهد المؤرخين البريطاني
باحث في تراث الكويت والجزيرة العربية
مؤرخ وخبير في شؤون القبائل والانساب