العصبية وضررها على المجتمع

أحمد بن برجس

أحمد بن برجس

القبيلة احد مكونات المجتمع في الدولة وبتعبير اوضح القبيلة وحدة اجتماعية ينضوي تحت مسماها افراد بعينهم يؤمنون بأفكار ومعتقدات متوارثة(ارث تاريخي)، ويتأثر هذا الارث بالظروف المحيطة به، اما بزيادة حدته او بخفوته، واحيانا اضمحلاله حسب الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
والعصبية ايا كانت لها جانبان، محمود ومذموم، فالجانب المحمود باستخدامها لنفي الظلم والانتصار للحق والدفاع عن الوطن والذود عنه، بالقول والفعل، في الظروف التي تتطلب ذلك، والعصبية المحمودة دفعت حمزة بن عبدالمطلب الى ان يدخل على ابي جهل وهو في نادي قريش وبين ظهرانيهم فيضربه ويشج رأسه فلما نهضوا ليمنعوه من ذلك قال لهم ابو جهل:” دعوه فإني قد شتمت ابن اخيه محمدا”.
والعصبية المحمودة دفعت بني هاشم وبني عبدالمطلب الى الحصار مع محمد وآل بيته في شعب أبي طالب بعد ان قاطعتهم قريش لرفضهم الاستجابة لدعوته، والعصبية المحمودة دفعت أبوطالب لحماية الرسول من عتاة قريش وهو القائل: “قل ماشئت يا ابن اخي والله لن اسلمك ولن اتخلى عنك”.
اما العصبية المذمومة فمرفوضة بكل أشكالها وصورها ومظاهرها لان الله رفضها ومقتها وبين مضارها ومساوئهاعلى البشرية جمعاء فقال سبحانه وتعالى:” يا ايها الذين امنو لايسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن، ولاتلمزوا انفسكم ولاتنابزوابالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون”.
وكثير من الآيات دلت على نبذ العصبية والدعوة إلى تركها والعصبية قلة عقل وقلة صبر، وتبصر، والأشد وضوحا في ذم العصبية قوله سبحانه وتعالى: “ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة”، والجهالة ظلم صريح للنفس وللغيروافتراء، وهو ما انطوت عليه العصبية البغيضة والممقوتة من الله وعقلاء الناس، لان الله خلق الناس سواسية”ياايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم”، فلا مجال لتعظيم النفس والتفاخر والتعالي على الناس، فالامانة التي حملها الانسان تقتضي ان يكون الانسان بعيدا عن التعالي والسخرية من الاخرين وازدراء الناس، وقد تمثلت هذه العصبية الممقوتة في الجاهلية بالحروب القبلية، ووأد البنات والاخذ بالثأر من غير القاتل، كقتل اي رجل يلتقي مع القاتل حتى الجد الخامس من دون مسوغ شرعي، ولا دليل اخلاقي، وقد ابطلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وبين مفاسدها واضرارها على الناس، وقال في خطبته الشهيرة عند باب الكعبة يوم فتح مكة:” يا معشر قريش ان الله قد اذهب عنكم نخوةالجاهلية وتعاظمها بالاباء، كلكم لادم وادم من تراب”.
العصبية وان كانت ارثا تاريخيا الا انها ارث يسهل التخلص منه عن طريق تفعيل دور الارشاد والتوجية، ونشر الوعي بضرورة نبذ العصبية، وأشكال التعصب الأعمى بين طلبة المدارس والجامعات والتجمعات الثقافية والاجتماعية، عن طريق إقامة الندوات الهادفة لإيضاح خطر التعصب ونبذ المظاهر الفاسدة، الظاهر منها والمستتر، واستخدام تقنية المعلومات الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي لما لها من دور فاعل وكبير في نشر الوعي بسهولة ويسر، ونحن ولله الحمد لدينا ما يغنينا عن العصبية وشرورها، فلدينا دستور استلهم اغلب مواده من الشريعة الإسلامية السمحة، فالله سبحانه دعا الناس الى التعامل مع بعضهم بعضا بالعدل والمساواة والحرية، لانها مقومات الحياة الأساسية، وقد نص الدستور عليها نصا صريحا وواضحا”العدل والحرية والمساوات دعامات المجتمع”، والزم الدولة بان تصون دعامات المجتمع وتكفل الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص، ويمضي الدستور بمواده ومبادئه العظيمة التي استقاها من مبادىءالشريعة الإسلامية السمحاء وروحها السامية، ومقاصدها الكريمة التي تدعم وتحمي كيان المجتمع، وترفع من شأنه بعيدا عن التعصب والتحزب والتعنصر البغيض.
كم نحن بحاجة إلى تأكيد الالتزام بالمعاني السامية والمقاصد الشريفة التي تضمنها الدستور الكويتي العظيم، فحب الوطن من الإيمان وحمايته واجب لا فخر لأحد ان قام به او دعا إليه، أو عمل لاجله، بل ان على الكل واجب توجية الجهود باستخدام كل الروابط الاجتماعية والثقافية والدينية من أجل تعزيز الانتماء للوطن والنظام الذي يحمي هذا الوطن ويصون وحدته.
حفظ الله الامير وولي عهده من كل شر.
حفظ الله الكويت واهلها من كل شر.
عضو معهد المؤرخين البريطاني

• باحث في تراث الكويت والجزيرة العربية، مؤرخ وخبير في شؤون القبائل والانساب