العمائم غطاء رأس للأندلسيين والمنديل للنساء فردوس المسلمين الضائع

0 179

إعداد – محمود خليل:

عانى المسلمون في الأندلس، كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي فرضت عليهم بعد سقوط الأندلس، التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها وتنفيذها.
أدت تلك الرقابة الصارمة إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل السلطات الصليبية، فبعد الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب، ثاروا على المسيحية التي فرضت عليهم، وبدأوا في البحث عن جذورهم الإسلامية العربية المفقودة. زاد من حدة تحول هؤلاء الاندلسيين، الذين اجبروا على اعتناق المسيحية – المسيحيون الجدد كما كان يطلق عليهم – طرد أندلسيي غرناطة إلى مناطق تواجدهم، اذ وجدوا في الأندلسيين القدامى في غرناطة، ما فقدوه قبل قرون، كما أجبر تواجدهم النصارى القدامى على عدم نفورهم من أهل غرناطة على النصارى الجدد.
لم يمر وقت طويل حتى التحم أندلسيو غرناطة مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم القشتاليين، ما نتج عنه فئة جديدة نتيجة ظلم محاكم التفتيش، أسموها “الموريسكيون”، شكلت عنصراً جديداً في التركيبة السكانية والاجتماعية في الأندلس.

اهتم الباحثون في تاريخ الحضارة والمجتمعات الإنسانية اهتمامًا كبيرًا بدراسة الألبسة والأزياء باعتبارها مقياسا للمستوى الذي بلغته الحضارة المادية من تقدم أو تأخر في حقب التاريخ المختلفة أو ما أصابته هذه المجتمعات الإنسانية من ازدهار اقتصادي أو تدهور.
كان نصيب العصر الإسلامي من هذه الدراسات عظيماً بفضل به المصادر العربية ، كتب التراجم والطبقات، المعاجم اللغوية، التي وفرت مادة علمية وفيرة فيما يتعلق بالألبسة الرجالية والنسائية وأدوات زينتهن.
كانت المرأة الأندلسية تهتم بأناقتها وملبسها، لذا لبست الحلي، عرفت الرداءة، الملاءة، الشفوف المنسوجة بالذهب الخالص، لبست القرطف “نوع من الملابس القصيرة”، وضعت على رأسها العصائب المرصعة بالجواهر، المنسوجة من الذهب، المكللة بالمرجان.
كما تمتعت بذوق رفيع ومتميز فى ملابسها وحليها، كانت شديدة الولع بالزينة التي دفعتها إلى التأنق، فنقشت خدها بنقوش تظهرها أكثر فتنة، تفننت في الوشم والخضاب، لبست الدملج، كما كانت تضع “المنديل”، أو الـ “أَتَازِيرْ” على رأسها ، خصوصا الريفية، ما زالت الحائكات يصنعنه في بلاد المغرب حتى اليوم.
من يشاهد النساء المغربيات، التونسيات، الجزائريات، بزيهن التقليدى العتيق، يتذكر على الفور نساء الأندلس، ما يؤكد أن البصمة والثقافة الأندلسية، فيما يخص الأزياء، ما زالت موجودة وصامدة في وجه التغيرات من حولها، صامدة لم تندثر، للتشابه الكبير بين أزيائهن، بل ان النساء من سرت حتى الأطلسي يكاد لبسهن يكون واحدا.
هذا الزي الأندلسي الذي انتقل إلى بلاد المغرب مع من هاجر من الأندلسيات عقب إجبار المسلمين على الرحيل من بلادهم، يتكون من قطعة قماش تلف جسد المرأة، فتغطيها من الخصر إلى القدمين، تكون عادة بخطوط عمودية متوازية، حمراء وبيضاء، حمراء وسوداء، بيضاء وزرقاء. يوضَع معه حِزام عريض يلف عدة مرات حول الخصر، يسمى “الكرْزيِة”، ويُتَوَّج الكُلُّ بقبعة مُزَرْكَشَة الألوان على الرَّأس تتدلى عليها عُقَد تجميلية وتُطلِق عليها النسوة اسم “الشَّاشِيَّة”.
رغم أن البعض يرى أن هذا اللباس انتقل إلى الأندلس مع الأمازيغ إلا إنه لا يوجد دليل واحد على ذلك، ف سكان الأندلس، أثناء الفتح الإسلامى وبعده ، كانوا من خليط غير متجانس من العرقيات المختلفة، كان الأمازيغ أحد تلك المكونات، انصهرت في بوتقة “الأندلس” فظهرت الشخصية الأندلسية المختلفة من كل النواحي ، ومنها ثقافة الملابس وطريقة ارتدائها.
يذكر ابن سعد في كتابه “الطبقات الكبرى” أسماء كثير من الألبسة العربية التي كان يلبسها من ترجم لهم من الصحابة والتابعين، كما ذكر ذلك أبو الفرج الأصفهاني في كتاب “الأغاني”وابن منظور في كتابه “لسان العرب”، الذي أورد بعض التفاصيل عن شتى أنواع الألبسة.
اشتهرت العمائم بأنها “تيجان العرب”، لبسها سادتهم في الجاهلية والإسلام ، كانت تعرف أيضاً بـ “التاج” و”العصابة”، فالعصابة والعمامة سواء، يذكر ابن قتيبة فوائد جمة للعمائم في قوله:
“قيل لأعرابي إنك تكثر لبس العمامة”، فقال: “إن شيئاً فيه السمع والبصر لجدير أن يوقى من الحر والقر”.
يقول أبي الأسود الدؤلي عن العمامة: “جنة في الحرب ومكنة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في الندى، وواقية من الأحداث وزيادة في القامة، وهي عادة”.
تنقسم العمائم إلى أنواع عدة تشير إلى المكانة الاجتماعية لمن يلبسها ، فعمائم الخلفاء تختلف عن عمائم العلماء، يلبس غيرها الفقهاء، بينما تختلف عمائم أهل الذمة، عن عمائم المسلمين.
اختلفت العمائم من حيث نوع النسيج، فمنها عمائم الفوط الملونة، الوشى المطرزة، الخز أو الحرير، القز المطرزة بالذهب، الشرب، أى ما رق من الكتان، القصب المصنوعة من رقيق الكتان الناعم.
يختلف الأمر بالنسبة للأمازيج، إذ كان رؤساؤهم يؤثرون العمائم، لهذا كانت من بين التحف والهدايا التى يهادى بها خلفاء بنى أمية رؤساء ووجهاء البربر المستأمنين.
كان عبد الرحمن الناصر خلع على حميد بن يصل والقرشي السليماني عمائم الشرب المذهبة، كما أهدى الحكم المستنصر بالله لأحمد بن عيسى شيخ بنى محمد ثلاثة عمائم خز، الأولى سمائية ، الثانية حمراء، الثالثة خضراء، كما أهدى لأخيه إبراهيم بن عيسى ثلاثة عمائم خز، تفاحية، خضراء، فيروزية.
بينما أرسل الحكم المستنصر إلى قائده “غالب الناصري”، في جملة ما أرسله إليه مائة عمامة ملونة، ربما ليوزعها على رؤساء البربر لاستمالتهم.
يذكر ابن عذاري أن الحاجب عبد الرحمن شنجول ابن المنصور بن أبي عامر أمر الرجال من أهل الخدمة – كان أغلبهم يلبس القلانس – بطرحها ووضع العمائم بدلا منها، بل هددهم بأشد العقوبات إن لم يرتدوها.
يروى المقري أن أبا الحسن الفكيك البغدادي، كان يمْثُل بين يدي المعتمد بن عبّاد بقصر إشبيلية وعلى رأسه عمامة لازوردية فوق طرطور أخضر، وهو نوع من أنواع العمائم العراقية في ذلك الوقت.
بينما يذكر الزهري أن العمائم كانت لباس الرأس المفضل للعلماء والفقهاء، فالمستنصر بالله أمر بالمناداة في أزقة قرطبة بألا يتعمم رجل لا يحمل جامع المدونة حفظاً وفقهاً، فتعمم في قرطبة آنذاك ثلاثمائة رجل ونيف.
يقول ابن سعيد المغربي: الغالب على أهل الأندلس ترك العمائم لاسيما في شرق الأندلس، أما أهل الغرب الأندلسي، فلا تكاد ترى فيهم قاضيًا ولا فقيهًا مشاراً إليه إلا وهو بعمامة، وقد تسامحوا بشرقها في ذلك.
يضيف، أنه رأى عزيز بن خطاب، أكبر عالم بمرسية، في ذلك الوقت، خطب للملك بالملك في تلك الجهة، وهو حاسر الرأس وشيبه قد غلب على سواد شعره، أما الأجناد وسائر الناس فقليل منهم من تراه بعمّة في شرق منها أو في غرب، وابن هود الذي ملك الأندلس في عصرنا رأيته في جميع أحواله ببلاد الأندلس وهو دون عمامة، كذلك ابن الأحمر الذى معظم الأندلس في يده الآن.
يبدو أن أهل الأندلس كانوا لا يستطرفون لباس العمائم، إذ أن الفقيه يحيى بن يحيى الليثي كان لا يلبس العمامة، فلما سُئل عن ذلك قال:
هي لباس الناس في المشرق وعليه كان أمرهم في القديم، فقيل له:
لو لبستها لاتبعك الناس في لباسها، فقال: قد لبسها ابن بشير الخز، يقصد القاضي محمد بن بشير المعافري قاضي قرطبة في عهد الأمير الحكم الربضي، فلم يتبعه الناس.
يقصد، إن كان ابن بشير أهلاً أن يقتدى به، فلعلي لو لبست العمامة لتركني الناس ولم يتبعوني كما تركوا ابن بشير.
إذن فإن أهل الأندلس تخلوا عن التعمم، إذ يظهر ذلك في الصور المنقوشة على العلب والصناديق العاجية، المصنوعة في دار صناعة قرطبة ومدينة الزهراء من عصر الخلافة، إذ تمثل أشخاصًا من الطبقة الخاصة في المجتمع القرطبي جالسين، يسمعون لحن زامر، عواد، دفوف في مجالس الطرب، عقدوها في البساتين، بلا عمائم.
كما صور فرسان من البيازرة يركبون الخيول، يحملون على أكفهم صقوراً وبزاة، أخرى لصيادين للوحوش يطعنون بعضها برماحهم، حاسري الرؤوس، بينما كانت شعورهم منسدلة على الجباه، ويدور ليغطي خلف الرأس ويصل إلى نهاية العنق والكتفين، كأنه خوذة يضعها الرجل على رأسه.
يعلق ابن سعيدعلى تفضيل أهل الأندلس الحياة بلا غطاء للرأس بقوله: والذؤابة لا يرخيها إلا العالم، ولا يصرفونها بين الأكتاف وإنما يسدلونها من تحت الأذن اليسرى، وهذه الأوضاع التي بالمشرق في العمائم لا يعرفها أهل الأندلس وإن رأوا في رأس مشرقي داخل بلادهم شكلًا منها أظهروا التعجب والاستطراف ، ولا يأخذون أنفسهم بتعليمها، لأنهم لم يعتادوا ولم يستحسنوا غير أوضاعهم.

You might also like