الأهل يلجأون للمشعوذين بحثاً عن حل ينقذ بناتهم

العنوسة… تنعش أسواق الدجالين الأهل يلجأون للمشعوذين بحثاً عن حل ينقذ بناتهم

بانتظار ابن الحلال

القاهرة – نادر أبو الفتوح:
كثيرة هي المفاهيم المتعلقة بتأخر سن الزواج لدى الفتيات، تتنوع طبقا للعادات والتقاليد والثقافات، أغربها ما يرتبط بالدجل والشعوذة، والاعتقاد بأن الفتاة تأخرت في الزواج نتيجة السحر، فيطرق الأهل أبواب الدجالين، ويتعرضون للنصب على أيدي المشعوذين الذين يزعمون قدرتهم على حل مشكلة العنوسة. علماء الاجتماع يرون أن العنوسة ليست مرتبطة بفئة أو شريحة اجتماعية معينة، لكنها ظاهرة في الكثير من الطبقات الاجتماعية، فالفتاة التي حصلت على قدر كبير من التعليم، قد تتأخر في الزواج لرغبتها في الحصول على الماجستير والدكتوراه، لكن في الطبقات الفقيرة يكون المال هو السبب الأول في تأخر سن الزواج، كما أن المغالاة في المهور وزواج الشباب من عجائز أجنبيات، تعد من أبرز أسباب ظاهرة العنوسة.
ويؤكد علماء الطب النفسي أنه مهما تنوعت أسباب تأخر سن الزواج لدى الفتيات، فكل الاحتمالات مقبولة ولها أسبابها الواقعية، لكنهم حذروا من التردد على الدجالين، وطالبوا الأهل بالبحث في الأسباب المنطقية، دون اللجوء للخرافة والشعوذة، وفي نفس الوقت طالبوا الفتيات بعدم الخوف من العنوسة، وضرورة التأني والاختيار السليم، لأن التأخر في الزواج أفضل من الزواج المبكر الذي ينتهي بالطلاق.

ثقافة الزواج
تقول الدكتورة يمنى أبو النصر استشارية أسرية ومعالجة نفسية بمجرد وصول الفتاة لسن العشرين، يبدأ الأهل في القلق والخوف من تأخر سن الزواج، وهذا قد يؤدي للزواج المبكر، الذي يحمل الكثير من المخاطر الصحية والنفسية ويؤثر على الفتاة، ولذلك فان التوعية بثقافة الزواج تعد الحل الأمثل عند الحديث عن العنوسة، لأن بعض الأسر قد تشعر بالحرج في حال عدم زواج الفتاة مبكرا، والأمر يتطلب تغيير الكثير من المفاهيم الخاصة بزواج الفتيات، لأن القضية ليست زواج فقط، لكن الأهم هو الاستقرار بعد الزواج، وهذا يتحقق من خلال التأني في الاختيار وعدم الخوف من العنوسة، لأننا نرى أن معدلات الطلاق أصبحت تمثل كارثة اجتماعية، وكل ذلك نتيجة التعجل بزواج الفتيات والخوف من تأخر سن الزواج.
ومصطلح العنوسة ربما يكون بدون معنى، لأن تأخر سن الزواج أصبح لدى الشباب أيضا، وبالتالي فالقلق الذي تعيش فيه بعض الأسر غير مبرر، وعلينا أن نحسن الاختيار ولا نتعجل في زواج الفتيات، والأسر التي تخاف من العنوسة، عليها في نفس الوقت أن تدرك مخاطر الطلاق المبكر، وهناك الكثير من المتغيرات التي تُلغي مصطلح العنوسة، لأن كثير من الفتيات أصبحن في مهن مرموقة ومع ذلك يتأخر الزواج، نتيجة عدم وجود الزوج المناسب، أو لظروف خاصة بالتعليم والرغبة في الحصول على الدكتوراه مثلا، وهناك فتيات على قدر كبير من الجمال ومن عائلات ميسورة الحال، لكن تأخر سن الزواج يرتبط بالتأني في الاختيار، وهذه الحالات لا ينطبق عليها مصطلح العنوسة.
أسباب متعددة
ترى الدكتورة سامية خضر أستاذ علم الاجتماع جامعة عين شمس، أن الكثير من الدراسات أكدت أن هناك تأخر في سن الزواج لدى الفتيات، والأمر نفسه لدى الشباب أيضا، لكن بالنسبة للشباب فالأسباب في الغالب ترجع لأمور مادية، أما بالنسبة للفتيات يرتبط تأخر سن الزواج بظروف وثقافات وعادات وتقاليد، بجانب أيضا الظروف المادية، وليست هناك أسباب متشابهة في الفئات الاجتماعية المختلفة، ففي الفئات المثقفة فان تأخر سن الزواج يكون بدافع من الفتاة نفسها أو أسرتها، لكونها تريد زوجا مناسبا لها، فقد تكون من عائلة ميسورة للغاية، ولا تجد الزوج المناسب، وقد تتأني الفتاة في الزواج نتيجة الرغبة في الحصول على مؤهلات علمية كالماجستير والدكتوراه، أو الرغبة في التفرغ للعمل فترة معينة.
وتضيف: بعض الفتيات يتأخرن في الزواج نتيجة ضيق الدائرة الاجتماعي، فقد تكون هناك فتاة تعيش مع والديها دون وجود روابط اجتماعية مع الأقارب والجيران، ولذلك تقل فرص الزواج بالنسبة لها، كما أن التجارب الفاشلة للأخوات أو الصديقات يجعل الفتاة تفكر كثيرا قبل الزواج، لكن في الطبقات المتوسطة والفقيرة ترتبط العنوسة بعدم القدرة المادية، لأن الشاب قد يبحث عن فتاة من أسرة ميسورة، لعدم قدرته على تحمل تكاليف الزواج، والمؤكد أن مواجهة مشكلة العنوسة، يتطلب التوعية بأهمية التوافق في الزواج، وألا يرتبط الزواج بالمظاهر والشكليات التي ترهق الشباب ماديا، لأن هناك بعض العادات والتقاليد التي يرفض البعض التخلي عنها، ويعتبر هذه الشكليات أسس لاتمام الزواج، وفي النهاية تكون الكماليات هي العائق الأول في الزواج، وتؤدي لتأخر سن الزواج لدى الشباب والفتيات.

زواج بلا شبكة
وطالب الدكتور حسن شحاتة الأستاذ بكلية التربية جامعة عين شمس، بضرورة وجود حملات للتوعية بمخاطر تأخر سن الزواج، وأن تكون هناك حلولا واقعية، ومنها الزواج بدون شبكة مثلا، وقد ظهرت مؤخرا العديد من المبادرات التي ترفع شعارات التيسير في الزواج، ومنها مبادرة الزواج بدون شبكة، أو الزواج في منزل العائلة، لكنها جهود فردية وحالات قليلة ولن تؤدي لحل مشكلة العنوسة، فكثير من الأسر والعائلات تتعنت في أمر الزواج، وكأن الفتاة تحولت لتجارة أو سلعة، وفي النهاية ترتفع معدلات العنوسة، وكل ذلك يؤدي لمشكلات كثيرة في المجتمع، فالأمر يتعلق بتغيير العادات والتقاليد، لأن الأمور التي كانت تناسب الأجيال السابقة، ربما لا تتناسب مع الجيل الحالي، ومن الأفضل بناء أسرة في ظروف متواضعة، أفضل من الزواج الذي يرهق الزوج، ويحمله الكثير من الأعباء التي تؤثر على مستقبل الأسرة الجديدة، وهذه رسالة للأهل بضرورة التفكير بشكل عملي في مستقبل الأبناء، وعدم التعنت والرغبة في تقليد الأغنياء.
ويضيف أن الزواج ليس صفقة أو تجارة، لكنه تأسيس لحياة مشتركة بين فتاة وشاب، لتكوين أسرة هي نواة مجتمع، وهذه الأسرة لابد أن تبني على التفاهم والتيسير وعدم المغالاة في المهور، لأن كثير من الجرائم التي تقع في المجتمعات، هي نتيجة تأخر سن الزواج لدى الشباب، فجرائم التحرش الجنسي والاغتصاب والسرقة والادمان وغيرها، كلها نتيجة عدم وجود كيان اجتماعي وأسري لدى الشباب، والأسرة هي الكيان الذي يحتوي رغبات وأفكار الشباب، ولذلك لابد من مواجهة ظاهرة العنوسة عبر مبادرات لتيسير الزواج، لحماية المجتمع وتحصين الشباب.

دجل وشعوذة
وحذر الدكتور هاشم بحري أستاذ الطب النفسي جامعة الأزهر، من ربط ظاهرة العنوسة بالسحر، مؤكدا أن الدجالين يحاولون السيطرة على عقول الناس، وذلك بهدف استنزاف أسرة الفتاة ماديا، واضاف يجب أن نبحث في الأسباب الحقيقية، بدلا من السير في طريق الخرافة والشعوذة، كما أن القلق من تأخر سن الزواج قضية تحتاج لتغيير في الثقافة، وهناك الكثير من الأمثال الشعبية ترسخ هذا الفهم الخطأ، وكلها موروثات ارتبطت بظروف تغيرت، والفتاة لا تشكل مصدر قلق للأسرة الا في البيئات التي تنتشر فيها السلبيات، وعلينا أن ننظر للفتاة نظرة مختلفة، فهي ليست عبئا على أسرتها.
ويلفت إلى أن القلق من تأخر سن الزواج لدى الفتيات، ليس له ما يبرره الا موروثات قديمة، وكلما زاد القلق على الفتيات، زادت معدلات الزواج المبكر، الذي ينتهي في الغالب بالطلاق، كما أن بعض الأسر قد تجبر الفتاة على الزواج خوفا من العنوسة، وكل ذلك يؤدي للكثير من المشكلات النفسية والعصبية، ولذلك نحذر من اجبار الفتيات على الزواج، لأن التأني في الاختيار من شروط نجاح الزواج، ولابد أن يكون هناك حوار داخل الأسرة حول هذه القضية، وهناك دور مهم يقع على عاتق الأم في تهيئة الفتاة للزواج، لأن القلق دائما ما يأتي من جانب الأمهات، وكلما زاد القلق من تأخر سن الزواج، كانت الخطوات السلبية، فاما التردد على الدجالين، أو التسرع في الزواج دون اختيار سليم.
الزواج من أجنبيات
ويؤكد الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ علم الاجتماع جامعة الأزهر، أن ظاهرة زواج الشباب من أجنبيات، تعد أحد أسباب زيادة معدلات العنوسة، لأن يرجع لعدم القدرة على تحمل تكاليف الزواج، وكل شاب تزوج من فتاة أجنبية، هذا يعني أن هناك فرصة زواج ضاعت على فتاة من بلده، وهناك آلاف الشباب في العالم العربي متزوج من أجنبيات، بجانب الهجرة إلى أوروبا والاقامة هناك، وكلها عوامل تؤدي لتأخر سن الزواج لدى الفتيات، عكس ما كان يحدث في الماضي، فكان الشاب يسافر للخارج، ويعود لوطنه يتزوج ويستقر، لكن أفكار الشباب اختلفت حاليا، وتغيرت الكثير من المفاهيم نتيجة المغالاة في المهور، وبالتالي يجد الشاب الزواج من مسنة أجنبية فرصة، وهذا يحمل الكثير من المخاطر الاجتماعية.
ويضيف أن البطالة تعد من أهم أسباب ظاهرة العنوسة، لأن الشباب قد يفكر في الهجرة للبحث عن عمل، ويظل في الهجرة لسنوات وقد يعود وهو في الثلاثينات من عمره، وعندما يبحث عن زوجة يختار من هي أصغر منه بسنوات، ولذلك نجد زيادة في معدلات تأخر سن الزواج لدى الفتيات، لكن في نفس الوقت هناك تأخر في سن الزواج لدى الشباب، فالقضية تحتاج مواجهة وعلاج وحوار مجتمعي، يقضي على الكثير من العادات والأفكار المرتبطة بالبذخ في الزواج، ويعيد التوازن ويحقق الأمان النفسي للشباب، ويدفعهم للتفكير في الزواج وتأسيس أسرة، لأن كثير من الشباب قد يخاف من مجرد التقدم لخطبة فتاة، نظرا للمشكلات المادية والخوف من عدم القدرة على تحمل تكاليف الزواج.
تيسير الزواج
ويرى الشيخ عبد الحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوي الأسبق بالأزهر، إلى أن زيادة نسبة العنوسة وتأخر سن الزواج لدى الفتيات والشباب، يرجع إلى غياب المفاهيم التي حملتها الشريعة الاسلامية فيما يخص الزواج، فالاسلام يأمر بالاحتيار الجيد، وأن يكون هناك تيسير في أمور الزواج، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الشريف» اذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه الا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، والحديث الشريف يحمل معنى التيسير وعدم التعنت في أمر الزواج، ولذلك يجب أن تسود قيم التيسير في الزواج، وألا نحمل الشباب فوق طاقاتهم، بل من المطلوب أن ندفعهم إلى تأسيس أسرة يكون لها دور في تقدم المجتمع.

طقوس لجلب العريس