ملايين الشباب والفتيات فاتهم قطار الزواج

العنوسة… كابوس الأسرة العربية ملايين الشباب والفتيات فاتهم قطار الزواج

القاهرة – نورة حافظ:
أكدت دراسة لاذاعة «هنا أمستردام «، اعتمادا على المراكز البحثية غير الحكومية، عن واقع التأخر في الزواج في العالم العربي، أن نسب من بلغوا سن الزواج فوق 30 عاما ولم يتزوجوا، تقترب في بعض البلدان من 20 في المئة، ترتفع حتى تصل إلى 80 في المئة في بلدان أخرى. وأشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء المصري، وفق أخر احصائية، إلى أن الشباب ممن تخطت أعمارهم الثلاثين بدون زواج، بلغ أكثر من 11 مليوناً بما يوازي حوالي 10 في المئة من نسبة السكان.
عن ظاهرة العنوسة، أسبابها المختلفة، تأثيرها على المجتمعات العربية، طرق القضاء عليها، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق، مع عدد من الخبراء والمتخصصين.
يقول الباحث الإعلامي أحمد عبد السلام: بعض الباحثين يطلقون لفظ العنوسة على المتأخرين في الزواج من الجنسين، بينما يذهب فريق آخر إلى اعتبار العانس من الفتيات من لم يتقدم لخطبتها احد كذلك الشاب العانس الذي لم يتقدم لخطبة أية فتاة، بينما اختصت الفتيات باللفظ من دون الشباب، ورغم أن المجتمعات الشرقية تربت على فكرة أن الزواج هو النهاية الحتمية والسعيدة لكل العلاقات، الا أن الدراما تسير في اتجاه مضاد، حيث تعمل على ترسيخ فكرة معايرة الفتيات بالعنوسة، تصيغ ذلك بشكل كوميدي وتهكمي، بل تبالغ في مظاهر الترف في الزيجات، في انفصال مرير عن الواقع، متجاهلة أهمية العرض المتوازن لكل شرائح المجتمع، ومبالغة في اظهار تعاسة وشقاء المتزوجين، مشكلات الأطفال والأعباء الجسام على الزوجين، كما تركز على انهيار البيوت بالطلاق، مشاهد الخيانة الزوجية، طرح العلاقات المحرمة لمن لا يستطيعون الزواج، التركيز على نشر فكرة الزواج العرفي أو السري.
كل هذا يعزز فكرة الهرب من مسؤولية الزواج واعتباره سجنا، حربا، تعاسة، يجب البعد عنه، يدعم فكرة أن الحياة بلا زواج هي الأفضل، خصوصا أن الدراما نادرا ما تقدم حياة سوية للمتزوجين أو التعامل بمرونة مع متطلبات الزواج من قبل الأهل. كما أن المتربصين والمستغلين للمشكلة لا يفوتون الفرصة للربح على حساب أحلام المتعطشين للزواج، فقد دشنت مجموعات زواج، على وسائل التواصل الاجتماعي، للاعلان عن فرص زواج للجنسين، لا يفوتهم المبالغة في مواصفات يتمتع بها كل من الجنسين، الجمال، المال، المنصب، للأسف تعتمد أكثرية تلك المجموعات على النصب، التلاعب، اصطياد الفتيات واستغلالهن، الحصول على رسوم مقابل الخدمة التي لا تتم. كذلك انتشرت مكاتب الزواج أو التوفيق الاجتماعي، التي تعلن عن نفسها بصفتها المسؤولة عن ايجاد شريك أو شريكة الحياة المناسبين، تحصل على عمولات ومصاريف، في النهاية يكتشف المتقدمون انه تم النصب عليهم، لأن غالبيتها غير مرخصة، لذا يجب التفكير في اعادة انتاج الخاطبة، التي كانت تقوم بدور اتصالي مهم ومحترم بين الأسر، تتم من خلالها الزيجات بعيدا عن نصب المكاتب والجروبات.
هذه المجموعات ليست الخطر الوحيد الذي يستغل امكانيات السوشيال ميديا، فقد بدأ ما يسمى «الزواج الالكتروني»، فالفتي والفتاة يتزوجان بالمراسلة الالكترونية، يعتبر كل منهما نفسه زوجا للآخر فيعيشان زواجا افتراضيا في عالم افتراضي، لا يكون بينهما سوي «الشات»، هروبا من كل مراسم الزواج وتبعاته المعقدة، المصاريف الباهظة، تحكمات الأهل، الاحتياج الجنسي، ما يؤدي إلى تراجع نسب الزواج التقليدي، بينما خطورته تكمن في عملية الابتزاز، سمعة العائلات، كيفية الطلاق. مشيرا إلى أن الأشكال المشوهة لسبل الزواج، التي ساعدت عليها وسائل الإعلام الحديثة لن تحل المشكلة، بل ستعقدها، لذا يجب أن تحدث صحوة إعلامية من جانب وسائل الإعلام، لتقوم بواجبها المجتمعي والأخلاقي في بث المحتوي الديني والاجتماعي القيم، الذي ينصح بتيسير الأمور، ايجاد البدائل، انتاج الدراما الهادفة التي ترأب صدع المجتمعات، التركيز على القيم النبيلة.

الوصمة الاجتماعية
ترى الدكتورة مها محمد، الباحثة في علم الاجتماع، أن طبيعة التربية في مجتمعاتنا العربية تعزز فكرة القاء تهمة المسؤولية عن عدم الزواج على الفتاة وحدها، يصمها اجتماعيا بالعنوسة، من دون الرجل، ما يدعوها دائما إلى تقديم التنازلات، مشيرة إلى أن التفرقة بين الذكر والأنثى في أساليب التربية تحدث من أول يوم، وهو ما يترتب عليه أثر سيئ في نشأتها، يتسبب في اعاقتها عن الترقي والكمال، والتعامل معها على أنها مجرد وعاء تفريغ للرجل مهمتها الأساسية انجاب الأولاد ورعاية الزوج، نتيجة ما تربت عليه في مجتمع يتحيز للذكور ويصدر فكرة النقص للاناث، ما يجعلها كائنا معتمدا على الآخرين، فاقدا للاستقلالية.

تكاليف
ترجع الدكتورة ليلى عبد الجواد، أستاذ علم النفس، أسباب تأخر الزواج إلى المعوقات التي تصاحبه والمتمثلة في النفقات المتصاعدة لتأسيس بيت جديد نتيجة الغلاء وارتفاع أسعار كل مفردات البيت، ارتفاع أثمان الشقق بصفة منتظمة، اهتمام العروس وأهلها بالماديات والمظاهر، المغالاة في تقدير ثمن الشبكة، تكاليف الأثاث، الاصرار على اقامة الاحتفالات للزفاف، شراء الفستان الأبيض المبالغ في ثمنه، كتب الكتاب بمراسم مبالغ فيها، كل ذلك للتباهي، ما حول الزواج إلى مجرد ماديات تضاف إلى أعباء ما بعد الزواج وانجاب الأطفال، ما جعل الشباب يعزفون عن الزواج، بالتالي ارتفاع نسب العنوسة.
ضغط الأهل
وعن الجنس ودوره في اشعال الرغبة في الزواج، يقول الدكتور محمد الحديدي، أستاذ الطب النفسي: للجنس دور مهم في حياتنا، لأنه احتياج أساسي، كسائر الاحتياجات، ليس كما ينظر اليه أحيانا على أنه رجس من عمل الشيطان، فالجنس ليس للمتعة أو الانجاب فقط، بل يضمن استقرار الحياة واستمرارها، ومن الطبيعي أن يكون محركا للشباب تجاه الزواج، لذلك يعد التأخر في الزواج، تعطيل للحق الطبيعي في الجنس، ليس هذا فحسب بل يؤدي بدوره إلى الاصابة بالاضطرابات النفسية، أمراض الكبت الجنسي، اذ تتعرض الفتاة بصورة أكبر للقلق والتوتر، بسبب ضغط الأهل والمعارف، خصوصا مع دخولها دائرة العنوسة، كما تصاب بالرعب النفسي خوفا من فقد فرص الانجاب المقترن بوجود الدورة الشهرية.

بدائل الزواج
يطالب الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي الواقعين في دائرة العنوسة بالبحث عن بدائل أخرى عند تأخر الزواج، اذ يمكن لكل منهم اكمال الدراسة، عمل دراسات عليا، الاشتراك في العمل التطوعي بالجمعيات الخيرية، مشيرا إلى أن معظم المتطوعين لخدمة اليتامي وكبار السن من غير المتزوجين بسبب وجود وقت فراغ كبير لديهم. محذرا من أن الاستسلام لليأس له تداعيات وأثار نفسية سيئة على الشخص الذي لم يتزوج، فيصاب بالاكتئاب، العصبية الزائدة، عدم القدرة على تحمل الآخرين، تمتد إلى آلام في المعدة واضطرابات النوم، في تلك الحالة يجب على الأسرة عدم القاء اللوم على الفتيات وتحميلهن السبب في تأخر الزواج، كما يمكن اللجوء إلى الطبيب النفسي اذا استدعت الحالة.

قانون الجذب
تقول الدكتورة أمل محسن، استشارية الطب النفسي: إن كلمة عانس لها وقع سيئ على الأذن، اذا كانت الكلمة تعني التأخر في الزواج فلنقل ذلك، آخذين في الاعتبار أن الزواج قدر، اذا لم يأت القدر فهذه مشيئة الله، سبحانه وتعالي، أن كلمة التأخر في الزواج نسبية لاختلاف الظروف المحيطة بكل حالة. خصوصا أن المتعارف عليه بين الفتيات الآن، أن قرار الزواج يتأخر لاعتبارات الانتهاء من الدراسة الجامعية، أحيانا ما بعد الجامعية، أحيانا لما بعد بناء المستقبل المهني، قد يكون لأن الأهل يحتاجون المساعدة والرعاية، كذلك لعدم توفر مصاريف الزواج، كما يضع البعض مواصفات لشريك الحياة لا يتنازل عنها ولديه القدرة على الصبر حتى يجدها، ان لم يجدها لن يتزوج. مؤكدة على أن الخوف من ارتفاع سن الزواج في مجتمعاتنا من 25 إلى 35 سنة، لا يجب أن يخيفنا، فلا شيء يمنع تكوين أسرة في أي سن وتحقيق السعادة والاستقرار، لأن فرص الزواج موجودة، هناك دائما أمل.
ولا يجب أن ينظر الباحثون والباحثات عن الزواج إلى تجارب الآخرين التي لم يكتب لها النجاح، اذ يوجد قانون الجذب الخاص بالزواج، انه أشبه بخطة للحصول على شريك الحياة، فلابد أولا من المراجعة الصادقة، طرح السؤال لماذا لم أرتبط حتى الآن؟، كيف أدرت حياتي حتى الآن؟. وللتقييم السليم يجب الاجابة على سؤال ماذا أكسبتني هذه الادارة وماذا أفقدتني؟ بالمصارحة نقف على الأسباب والقصور الذي حال دون الارتباط، قد يكون عدم الاهتمام بالمظهر، الحياة المنغلقة اجتماعيا، التعامل السيء مع الناس، بعد دراسة الموقف ننتقل إلى الخطوة التالية، بتحديد مواصفات شريك الحياة بدقة، كتابتها ووضع تصور كامل عنه، قبل النوم نقرأ ما كتبنا ونغلق أعيننا على ما تصورنا ليستقر في العقل الباطن، بمرور الوقت، فعل ذلك يوميا، لمدة ستة أشهر على الأقل مع اضافة صفات جديدة، بالتالي ستتكون صورة ذهنية واضحة وواقعية للشريك.
تضيف: هذه الخطوة ينصح علماء الطاقة بالاستمرار عليها، لأن القصور في مواجهة المشكلات يأتي من التركيز على المشكلة، والأفضل أن يتم التركيز على الحل، لذا فقانون الجذب يركز على اجراءات الحل، تجاوز المشكلة، كما يركز كل علماء النفس على العشر دقائق قبل النوم، لأنها فترة عمل العقل اللاوعي، فما ننام عليه يشغلنا في نومنا، يرسخه في يومنا وحياتنا عند الاستيقاظ.