حوارات

العُزْلَةُ الاختيارية مفيدة للصحة النفسية حوارات

د. خالد عايد الجنفاوي

د. خالد عايد الجنفاوي

يُمكن لأي إنسان سوي اختيار العُزلة والابتعاد عن الناس بين الحين والآخر أو على الأقل خفض تواصله معهم بهدف تحقيق مزيد من التوازن الفكري والروحي والنفسي في حياته الخاصة والعامة، وليس بالضرورة أن يكون من يختار العُزلة الموقتة شخصاً “فوبائياً” أو معقداً أو فاقداً للثقة بنفسه أو ينغمس في العدائية وكراهية الآخرين حتى يُصِرَّ على أن يجد له وقتاً أو مكاناً معيناً يختلي فيه بنفسه من دون أن يجد نفسه مُضطراً لتبرير عزلته الطوعية.
أعترف أنني أختار العُزلة بين الحين والآخر وأسعى للعثور على مكان معين يوفر لي نوعاً من الطُمأنينة والسلام الداخلي، ولو لساعات، وسط ضجيج الحياة اليومية ومشكلاتها وتعقيداتها ونرجسيتها وأنانيتها وضيق افقها وصخبها المتواصل، بل من المُفترض أن يسعى الانسان السوي لتحديد وقت معين في الاسبوع للاختلاء بنفسه، وربما إقفال هاتفه وقطع تواصله الالكتروني مع العالم الخارجي حتى يتمكن من التواصل الحقيقي مع نفسه، فتقنيات التواصل والحياة العصرية وزخرفها وماديتها الطاغية ستمنع الانسان أحياناً من التعرف على نفسه، بل ربما ستغرس في قلبه وعقله خوفاً من مواجهة نفسه كما هي في حقيقتها، وربما سيدّعي البعض قدرتهم على التمتع بالعزلة الاختيارية بينما هم وسط الناس، ولكن يجدر بالمرء العاقل النأي عن الانغماس في الاوهام المُفبركة ويتوقف عن التفلسف المبالغ، وأن يبادر من تلقاء نفسه إلى الابتعاد عمن هم حوله ويوقف اتصاله معهم وينزوي ويصمت ويتأمل في مكان خاص يوفر له قدراً مناسباً من الهدوء والسلام الفكري والتوازن الروحي ليوم أو ليومين في الاسبوع أو على الاقل لساعات معدودة، وحيث يجدر بالانسان السوي تطوير قدراته ومهاراته في التخلص من التأثيرات السلبية لأفكار وللانطباعات الشخصية للآخرين، وحيث سيجد الانسان نفسه أحياناً مُنغمساً دون إرادته في محاكاة تجارب الآخرين، وربما الاذعان لطرق تفكيرهم ولإختياراتهم ولسلوكياتهم الشخصية، حتى يفقد المرء استقلاليته الفكرية ويُصبح مع مرور الوقت نسخة مكررة لمن يتأثر بهم بشكل مُبالغ في حياته الخاصة أو العامة، ويقول مولانا الشافعي: «إذَا لَمْ أجِدْ خِلاًّ تَقِيَّاً فَوِحْدَتي،ألذُ وأشهى من غويَّ أعاشرهُ.»
*كاتب كويتي
@aljenfawi1969