الغانم لعبها صح

0 244

أحمد عبد العزيز الجارالله

أياً كانت الاعتبارات المُسبِّبة لاقتراح النواب مشاريع قوانين عفو، أو غيرها التي تدغدغ مشاعر الناخبين، وتبيِّض صفحة النائب في دائرته، فإن ذلك لا يعني وأد العمل البرلماني عبر “الطرقات” والشجار والسباب والشتائم والتهديد والوعيد، فهذا أبعد ما يكون عن الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، ونقولها بكل أسف هو سلوك “سكيك” وكأن البعض تحول “مصبنة”، وليس نخبة المجتمع المفترض أنها تسن القوانين الحضارية التي ترتقي بالكويت وأهلها.
صحيح ان المجلس سيد نفسه، لكنه قبل أي أمر آخر هو المرآة التي يرى الكويتيون أنفسهم عبرها، ولذلك إذا تهشمت فإن هذا يعني ترسيخ الفوضى كسلوك مجتمعي عام، فهل أدرك السادة النواب هذا الامر حين حولوا قاعة عبدالله السالم حلبة مصارعة، يتبارون بـ “الهواش” وأقذع الألفاظ، فاذا كانت هذه هي الديمقراطية فبئس الديمقراطية التي تجلب الخراب للكويت وشعبها؟
ما جرى في مجلس الامة كنا قد حذرنا كثيراً منه، قبل أن تقع “الفاس بالراس”، وقلنا إن التمادي المستمر من السلطة التشريعية على صلاحية السلطة التنفيذية، والديكتاتورية التي يمارسها النواب التي ظهرت بأبشع صورها في اليومين الماضيين، ستؤدي الى ذلك، لأن هؤلاء اعتادوا فرض كل مايريدون على الوزراء الذين سرعان ما يقعون ضحايا خوفهم من الكيدية في المساءلة الدستورية، فتعمل الحكومة على التمرير للنواب ما يشاؤون، وحين تقف لهم بالمرصاد في محاولة لتصويب البوصلة بالاتجاه الصحيح لدور السلطة التشريعية تبدأ المماحكات والتهديد بالاستجوابات، والدفع الى طرح عدم الثقة بالوزراء في عمل أقرب إلى أسلوب العصابات والمافيات في الابتزاز أكثر منه استخداماً للأدوات الدستورية بالشكل الصحيح.
هذه الحقيقة جعلت ما جرى في جلسات مجلس الامة منذ بداية دور الانعقاد الحالي لا يبشر بخير أبداً، وأصبح مبعث قرف في نفوس الكويتيين الذين يتأسفون على اختيارهم لهؤلاء النواب، إذ بدلا من السعي الى إطلاق ورش التشريع الصحيح بدأت تتقافز الاقتراحات الشعبوية التي لا طائل منها، بطريقة أشبه بالأرانب الخارجة من قبعة الساحر، أضف إلى ذلك تماديهم في التدخل بالشأن الحكومي بدافع قرب الانتخابات النيابية، إذ يعتبرون أن دور الانعقاد هذا فرصة لهم لإثبات سطوتهم، على أمل رفع رصيدهم الانتخابي، بعد إخفاقهم طوال السنوات الماضية.
للأسف، إن السلطة التشريعية لم تعد تمارس دورها الطبيعي، وهو التشريع والرقابة على أعمال الوزراء والوزارات وليس محاسبتهم على مواقف أو كلمات قالوها قبل سنوات حين كانوا خارج المنصب الوزاري، والنبش في ماضيهم علَّ حفار القبور يجد جيفة يقتات عليها من أجل بضعة أصوات، أو يمارس بطولات وهمية، فيما هو غارق بالمفاسد والموبقات التي تدل عليه من خلال فرض توقيع المعاملات غير المشروعة، أو وقف المشاريع المربحة للكويت، لأنه لم ينل منها حصة، أو لم تذهب إلى المتنفذين الذين يعمل واجهة لهم في المجلس.
في كل ديمقراطيات العالم تعمل السلطة التشريعية على محاسبة الوزراء على أعمالهم وليس لشخصياتهم، إلا في الكويت إذ بمجرد أن يقع الاختيار على شخص ما لشغل وزارة يتحول هدفا لرماة سهام التشكيك والابتزاز النيابي، فبعض الوزراء لم يمكثوا في مناصبهم شهرين لأن النوايا السيئة كانت مبيتة منذ إعلان اسم الوزير، لأسباب أقل ما يقال فيها إنها تنم عن تخلف، وخفة بالمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق النائب.
يبقى القول أخيراً ان من يستعرض أحداث مسرحية تخريب جلسة مجلس الامة التي عمد اليها بعض النواب، يدرك جيدا حنكة رئيس المجلس مرزوق الغانم وكيف لعبها صح فأسقط تخرصات بعض السّاعين إلى مكاسب شخصية على حساب المصلحة الوطنية، وكشف المستور.

You might also like