الغذاء… في زمن الوباء كلوروفيل

0 140

د. ريم أحمد الهزيم

خلال الاشهر القليلة الماضية ومع انتشار وباء كورونا المستجد “كوفيد-19” وتزايد أعداد الضحايا من مصابين ووفيات بلغت معدلات وبائية، أصبح العالم يستيقظ وينام، هذا اذا نام، على الأرقام…ارقام صعودا وهبوطا، اعداد الاصابات الجديدة وحالات التعافي وعدد الوفيات، ترقب اسعار برميل النفط والغاز الطبيعي، قيمة غرام الذهب والفضة والبلاتين، أسهم بورصة الشركات بلونيها الأحمر والأخضر والى اين وصلت، والأهم من هذا أو ذاك رحلة الاقلاع التدريجية لاسعار الفواكة والخضراوات وسعر حزمة الورقيات.
الجميع أصبح في سربه مستيقظا ويترقب المؤشرات كل “في مجال عمله” ولكن الجميع متفق على ارتفاع سعر الغذاء في ظل تفشي هذا الوباء وشاهدنا الاستجابات لهذا الفيروس اختلفت وتنوعت من بلد الى اخر حسب اوامر السلطات والحكومات وكذلك المستجدات اللحظية في كل دولة على حدة، لاحظنا تباينا في شدة القوانين حول العالم ونوع السياسات التي تبنتها الحكومات المختلفة لاحتواء الازمة فبعضها أغلق طوعا وكان أمرا اختياريا، وبعضها أغلق بالقوة وكان تحت أوامر قوات الامن وشهدت الكثير من مظاهر الحزم والصرامة.
النتيجة أن بعض الدول تمكنت من احتواء تفشي المرض واخرى لم تقدر على ذلك، وفي كلتا الحالتين لاحظنا تأثر الغذاء فقد أثرت قواعد العزل الذاتي واجراءات التباعد الاجتماعي الى نقص في عدد العمالة الزراعية مما أدى الى صعوبة جني المحصول، وايضا سمعنا عن هدر كمية كبيرة من الغذاء في بعض بلدان العالم كالحليب الذي لم يجد له منافذ للبيع بعد اغلاق المقاهي والمطاعم حول العالم، ومزارع البصل في مكان آخر ترك مزارعوها المحصول يتعفن نتيجة لاغلاق المدن والحظر الكلي، فلم يتمكنوا من تصريفه، وفي شبه القارة الهندية لم يجد مزارعو الشاي لمجصولهم سوقا فتخلصوا من الدفعة الاولى للمحصول ويراودهم قلق بمصير الدفعة الثانية، منه ان لم يتم فتح الحدود والمعابر بين الدول للتصدير، حيث إن انتاج الشاي يتطلب عمليات متعددة ومعقدة ووقتا أطول وأيدي عاملة وفيرة، في الجهة المقابلة، وكان فائض البيض في أميركا مصيره الى التهميش.
الصورة ليست تشاؤمية الى هذا الحد، كورونا أثرت على عادات وانماط الغذاء لدى البعض بالايجاب، فقد وجدت بعض المحاصيل بصيص أمل وظهرت على النور من جديد مثل البرتقال وعصيره، والذي يعتبر المحظوظ الأكبر في هذه الجائحة مع عائلته من الحمضيات، فقد ارتفعت مبيعاتهم معا في انحاء العالم وزاد الطلب عليها إذ سجلت الولايات المتحدة الاميركية نسبة 38% عائدا أعلى عما كانت عليه في العام الماضي بعد أن كاد يتراجع ويتدنى عصير البرتقال كمشروب صباحي مقابل القهوة، وقد جذب البرتقال الناس بخاصية تعزيز المناعة. الوضع في دول الخليج مختلف، القدرة الشرائية لدى الافراد عالية “ولله الحمد” ولكن الغذاء غير متوافر، تعطل النظام وأصبحنا لا نستطيع أن نشتري ما نريد حتى لو نملك ثمنه لندرته، التعداد السكاني في تزايد والاراضي غير مستقلة استقلالا جيد وغير مدروسة للزراعة.
الترف المصاحب للولائم والعزومات وارتفاع معدلات الهدر الملحوظة يتوجب معها التوعية على كمية المخزون الستراتيجي من السلع الاساسية ورفع احساس الفرد بالمسؤولية والحرص على المستقبل القريب الذي لن يقل أهمية عن حرص الحكومات، حيث أن المدى الزمني وعمر انتشار الوباء لايزالان مجهولين في خضم هذه الارقام والمعلومات، ومسؤولية الفرد التي نزرعها اليوم ستستمر معنا الى ما بعد انحسار الوباء.
نهاية القول نجد ان الارتفاع في اسعار واردات الغذاء قابله انخفاض كبير في الصادرات وهي ضربة قاضية مزدوجة لابد من حلها، من وجهة نظري المتواضعة عبر التحلي بالهدوء والعودة الى انظمة التعاون والمقايضة بين البلدان وبين التجار بعضهم بعضا، ومراقبة أسعار الغذاء الواردة الى المستهلك واللجوء الى الشفافية التامة لمنع انتشار الخوف على الغذاء بين الناس، وعدم اللجوء الى السياسات المعقدة التي قد تزيد “الطين بله”، واتخاذ آليات جادة وفعالة منها زراعة الحدود والاراضي غير المأهولة بالسكان على الأطراف بقروض بسيطة ودعم حكومي يساعد في انطلاق انشطة ريادية زراعية عظيمة، والى مستقبل أخضر مثمر.

دكتوراه في فلسفة علم النبات

You might also like