الأداء التمثيلي والموسيقى والسينوغرافيا شكلت عوامل نجاحه

“الغولة” استعراض غنائي منضبط الإيقاع نابض بالحياة الأداء التمثيلي والموسيقى والسينوغرافيا شكلت عوامل نجاحه

مشهد من المسرحية

كتب – محمد جمعة:

يعتبر المسرح الغنائي الحي شكلا جديداً مطورا عن الأوبرا, اذ تشكل الموسيقى والغناء اساس هذا المسرح, وتزداد صعوبة هذا القالب في حال كان الغناء “لايف” بالتزامن مع حركات استعراضية مدروسة ومنظمة فيصبح الامر برمته اقرب الى آلة ضخمة مكونة من مجموعة من التروس تعمل في وقت واحد وفق ايقاع منضبط ومنظم وفي حال اصاب احدها العطب فإن الاداء يختل وتصدر صريرا يصم الاذان او تتوقف فجأة دون مقدمات, لذا يدرك من يذهب الى هذا النوع من المسرح خطورة التجربة, لاسيما اذا كان امام جمهور واعى مثقف ناقد بطبعه يتفاعل مع العمل الجيد ويضع يده على مواطن الخلل.
لذا قلما نجد عملا مسرحيا غنائيا متكامل الاركان لأن اغلب ما يقدم في الوسط الكويتي والخليجي يعتمد على تسجيل مسبق للأغنيات “بلاي باك” ما يفقد العرض حيويته ويبقى الفنان محمد الحملي وفرقته “باك ستيج غروب” صاحب المبادرات والمغامرات الشيقة.
الحملي صاحب التجارب الثرية في المسرح الاكاديمي والذي نقل خبرته وطموحه الى “الجماهيري” استطاع التفرد بخلطته الخاصة, ورغم ان الاسماء التي يتعاون معها محمد من عمل إلى آخر تتغير, لكن يبقى فكره واحدا في اغلب اعماله التي يسودها النظام والانضابط على الخشبة فتنعكس تلك الدقة على العمل وتنتقل الى الجمهور.
في تجربته الجديدة ” الغولة” شكل الحملي فريق عمل متميزا حيث استعان بالفنانين احمد ايراج, هبة الدري, رهف غيتارا وغيرهم ليكمل هو هذا الرباعي ويفاجئ الجميع بشو غنائي استعراضي نابض بالحياة .
وقبل الشروع في العمل لمسنا حماسة الفنانين هبة الدري وأحمد إيراج للعمل وسعادتهما بتفاعل الجمهور, وأيضا تكتمهما على الاحداث, وحين شاهدنا العرض على مسرح نقابة المهن الطبية ” مسرح الحملي” ومنذ الدقائق الاولى حتى نهاية العرض الذي استغرق قرابة الساعتين, وجدنا عرضاً محكما لم نستطع أن نحيد عنه بنظرنا, ايقاع سريع وأداء منضبط, موسيقى حية وتناغم بين الممثلين كانت نتيجته “الغولة” من إعداد وإخراج الفنان محمد الحملي, الذي جسد أيضاً دور البطولة, إلى جانب كوكبة من الفنانين منهم الدري. إيراج, هف , حمد العوضي, حامد محمد, نوف السلطان, طارق خميس, عصام الكاظمي وعبدالعزيز السعدون, إضافة إلى باقة كبيرة من النجوم الشباب, بالاشتراك مع فرقة “فلامنغو” الغنائية.
ارتكز الحملي في تشكيل عمله على ثلاث قواعد رئيسية الاولى الفرقة الموسيقية التي كانت تعزف “لايف” طوال العرض الى جانب السينوغرافيا التي كانت احد اهم مقومات نجاح المسرحية وثالثا التمثيل الذي لعب دورا مهما في اكتمال ثالوث “الغولة”, اما الموسيقى رغم ان الصوت كان مرتفعاً بعض الشيء وأضاع في مواطن عدة جملا هامة للممثلين, إلا انها واكبت الإيقاع السريع وابتعد مؤلفها عن التقليدية او الاقتباس من المقطوعات العالمية, وهذا يعزز شخصية العمل بينما كانت المشهدية التي تتكون من ديكورات تغيرت اربع مرات بدءا من وكر “الغولة” مرورا بأحد احياء المدينة التي دارت فيه الاحداث, وصولا الى قصر النبيل, وأخيرا لوحة المسرح المقتبسة من الحضارة الفرعونية, اختلف الديكور ما بين قطع سهلة الحركة وصور ضخمة استغل المخرج الاضاءة ليمنحها بعدا ثالثاً, في حين عبر تصميم الاضاءة عن الحالة النفسية لكل مشهد ووظفها المخرج بتكنيك اكاديمي مميز في حين استوحى الازياء من التراث الانكليزي القديم.
اخيرا الضلع الثالث في هذه المنظومة هو التمثيل, اشتغل المخرج على فنانيه وفق خطين متوازيين الاول التمثيل الذي تضمن جانبا استعراضيا تطلب منهم رشاقة في التحرك على المسرح, والثاني الغناء اللايف وبالمستوى الذي شاهدته على المسرح اعتقد ان الامر استغرق منهم وقتاً طويلا في التدريب على صعيد الاداء الصوتي والتمثيلي حتى يصلوا الى هذه الدرجة من التوافق فأجاد الجميع رغم ان المطربة الوحيدة بينهم رهف التي ظهرت بشخصية الغولة وكانت مفاجأة العرض من ناحية الاداء التمثلي والتلوين الصوتي.

سلام وكلام

بينما شكل الثنائي الحملي بشخصية “سلام” وهبة الدري بدور “كلام” دويتو مميزا, وان كنا اعتدنا على الحملي ونشاطه على الخشبة, إلا ان الدري تمردت على نفسها في هذا العمل وأطلت بصورة مغايرة تماما بدور “كلام” فكانت شعلة من النشاط بينما ظهر احمد ايراج بدور الشرطي حاد الطباع الذي جسده بحرفية عالية, وأجاد عصام الكاظمي وطارق خميس في شخصيتي النبيل ومساعده.
وإضافة الى المتعة البصرية والإبهار وظف الحملي عنصري التشويق والإثارة من خلال قصة الفتى “سلام” الذي تخلص منه والده بمجرد رحيل الام ظنا منه انه قد لا يستطيع تربيته, وتجده الغولة فتضمه الى جيش من الاطفال الذين تستغلهم في التسول والسرقة و تؤويهم في منزلها الذي لا يعرف عنه احد شيئا, وتتوالى الايام ويكبر “سلام” في كنف الغولة ويعتاد بمعية رفاقه التسول والسرقة الى ان يجده مساعد احد الرجال الاثرياء ويطلب منه ان يحضر الى قصر النبيل ليمثل دور نجله الذي فقده عندما كان صغيرا لعله يدخل البهجة والسرور عليه, وبالفعل يذهب سلام بمعية زميلته كلام الى القصر ويطاردهما الشرطي الذي يسعى لمعرفة حقيقة “الغولة”, هناك يلتقي الفرقاء وتتوالى الاحداث لنكتشف ان هذا الثري هو والد سلام الذي يقف في حيرة من امره هل يعترف بأبوة من تركه صغيرا ام يذهب الى الغولة التي احتضنته.
فكرة المسرحية مقتسبة من رواية “أوليفر تويست” للأديب الإنكليزي تشارلز ديكنز والتي خرجت منها اعمال سينمائية عدة لعل ابرزها الأبيض والأسود الشهير”أربع بنات وضابط”, بطولة أنور وجدي ونعيمة عاكف وأمينة رزق ولبلبة ونجمة إبراهيم, و فيلم “المتسول” للفنان عادل إمام, وفيلم “العفاريت” لعمرو دياب, وجميعها اعمال تحمل رسائلة تربوية وتنادي بالحفاظ على كيان الاسرة من التفكك وتحذر من ان يجرف تيار التسول والتشرد الابناء في حال تخلي الاباء عنهم, فسلام ما كان ليلقى هذا المصير اذا اهتم به والده. ويعتبر مشهد المسرح داخل المسرح الذي وظف فيه المخرج لوحة الفراعنة من ابرز مشاهد المسرحية, فضلا عن مشهد الختام وكان الاستعراض احد ابطال هذا العمل من ناحية تصميم الرقصات والدقة في تنفيذها عن طريق ممثلين من مختلف الاعمار, وأنت تشاهد العرض لن تجد نفسك بعيدا عنه, أب أو أم أو أبناء هناك همزة وصل بين الخشبة والمتلقي تكمن في عناصر التمثيل.