الغيرة الإيجابية… شهر عسل لا ينقضي تقوي العلاقة بين الشريكين وتنقذهما من الشكوى والظنون

0 30

سيطرة العقل على المشاعر تحمي الزوجين من مخاطر الغيرة وآثارها المدمرة

القاهرة- محمد عبد الله:

ارتبطت الغيرة بالخلافات والمشكلات بين الأزواج، إلا أن دراسة علمية جديدة كشفت عما يسمى “الغيرة الإيجابية” وأكدت أنها تزيد من قوة العلاقة وتكون بمثابة مشاعر لا إرادية تحركها العاطفة لتعبر عن اهتمام وحب الزوج لشريكته. وأثبتت هذه الدراسة التي أجراها باحثون أميركيون، أن الغيرة الإيجابية تحسن العلاقة بين الزوجين، تزيد الترابط والتواصل النفسي بينهما بنسبة تصل إلى 40 في المئة، في مقابل تراجع هذا الرابط النفسي والعاطفة في العلاقات التي تفتقد لسلوكيات الغيرة الإيجابية.
حول الغيرة الإيجابية، فوائدها، تأثيراتها على العلاقة الزوجية، الفرق بينها وبين الغيرة السلبية، كيفية تحويل الغيرة السلبية إلى أخرى إيجابية، أجرت «السياسة «هذا التحقيق.
تقول الدكتورة آيات أحمد، استشاري الصحة النفسية: الغيرة الإيجابية هي التي تكون نابعة من حب الشريك والاهتمام به وليس حب امتلاكه فقط، وتكون في حدود الطبيعي والمقبول وليست غيرة مرضية تسبب خلافات ومشكلات قد تودي بالعلاقة الزوجية، فهذا النوع من الغيرة يعد انعكاسا يعبر عن مدى حب الزوجين لبعضهما بعضاً، وبالتالي فهي تكون ذات انعكاسات إيجابية على العلاقة الزوجية، حيث يشعر من خلالها الشريكان بالاهتمام والحب والعاطفة فيما بينهما، فيزداد الترابط والتواصل النفسي بين مكونات الأسرة، وتكون العلاقة أقوى وأكثر قدرة على مواجهة الخلافات والمشكلات الحياتية. مشيرة إلى أن حب الشريكين لبعضهما بعضا يولد لديهما رغبة متبادلة في امتلاك عواطف وأحاسيس ومشاعر الآخر، بأن يكون له وحده من دون أن يشاركه أحد بها، وقد يصل الأمر أحيانا إلى حد الغيرة من الأقرباء والمحيط الأسري، حيث يكون مزعجا جدا للزوجة إذا ما حاز شخص آخر على اهتمام شريكها، وهنا تتحرك مشاعرها للاستحواذ على حبيبها الذي لا تريده أن يرى أو يسمع أو ينظر لغيرها.
وتخرج الغيرة عن حدّها الطبيعي والمقبول اذا ما حاول كل طرف الاستحواذ على الآخر بأن يكون لنفسه فقط، بحيث يتملكه ويعزله عن محيطه الاجتماعي من أصدقاء وأقرباء، وهذا هو النوع الآخر من الغيرة، والتي تكون سلبية بحيث تخرج عن إطارها المقبول والطبيعي بشكل يجعلها تمثّل خطرا على العلاقة الزوجية، فغالبا ما تتحول الغيرة السلبية إلى شك متزايد لا أساس له، ما يجعلها تتسبّب في تفكك الأسرة وانهيارها، لافتة إلى أن الغيرة السلبية تحدث نتيجة عدم وجود ثقة بين الشريكين، ورغبة كل منهما في الاستحواذ على الآخر بدافع السيطرة والتملك، وأحيانا قد يكون بدافع الحب الزائد.
تضيف : قد تتحول الغيرة الإيجابية إلى سلبية لأسباب عدة، من أبرزها تسرب حب التملك والسيطرة على الآخر إلى أحد طرفي العلاقة، ورغبته في التسلط وفرض سطوته على الشريك، وشعور الزوج أو الزوجة بالنقص وعدم قدرته على إشباع رغبات واحتياجات الشريك أو أنه ليس بكفء له، ما يحدث لديه اضطرابا في السلوك يكون أحد أشكال الغيرة السلبية المرضية، هذا بجانب عدم استقامة الشريك وسلوكه المنحرف وتعدد علاقاته العاطفية، كما ان الانشغال الدائم للشريك مع الأصدقاء سواء خارج المنزل أو على شبكات التواصل الاجتماعي، يولد غيرة سلبية ضارة تنتج من شعور الشريك بتراجع أهميته في حياة من يحب، نتيجة عدم وجود تواصل أو كلام عاطفي أو معاملة حانية، أما تفوق الزوجة على زوجها من ناحية العمل والمال، فإنه من أقوى أسباب الغيرة المرضية.
وللمحيط الاجتماعي لكل من الزوج والزوجة تأثيره المباشر في كون الغيرة إيجابية مفيدة أو سلبية، فبحسب المحيطين من الأصدقاء والأقرباء وتعاملاتهم وعلاقاتهم بالشريك تتحدد طبيعة الغيرة عليه، فإذا كانت حياة الشريك الاجتماعية وسلوكياته متحررة تزداد حدة الغيرة، في حين إذا ما كان الوسط الاجتماعي محافظا يشعر الشريك بنوع من الأمان والطمأنينة، فتبقى الغيرة في حدود الطبيعي من دون أضرار، ومع ذلك تكون الغيرة في الوسط المحافظ أكثر حبا ومشاعر واهتماما لكنها تظل في حدود الإيجابي بلا شكوك، في المقابل يتراجع مستوى الغيرة بشكل كبير عندما يعيش الزوجان حياة متحررة يقبلان فيها كل أشكال التعاملات والسلوكية المتحررة، ومن ثم تتبلد مشاعر الغيرة لديهما.

سلوك صحي
يؤكد د. محمود سالم، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، أن مشاعر الغيرة حق لكل من الزوجين، فمن حق الزوجة أن تغار على زوجها، ومن الطبيعي أيضا أن يغار الزوج على زوجته، وهذا سلوك طبيعي وصحي لسلامة وحيوية العلاقة العاطفية بين الشريكين في إطار الغيرة الإيجابية المفيدة للعلاقة الزوجية والتي تثريها بالمزيد من مشاعر الحب والاهتمام، لافتا إلى أهمية التمييز بين الغيرة وبين السلوك الغيور، والذي يمثل محاولة للسيطرة على الشريك من خلال محاصرة تحركاته والتدقيق في كل تصرفاته وسلوكياته بما يقيد حريته واستقلاليته، وغالبا ما يؤدي السلوك الغيور إلى نتيجة عكسية، ويزيد من حالة النفور والرفض النفسي بين الزوجين، فالغيرة مشاعر حب واهتمام يشعر بها الرجل عندما تلاحق نظرات الآخرين وهمساتهم زوجته، كذلك شعور المرأة عندما تقترب امرأة أخرى من زوجها.
يضيف : طبيعة الغيرة تختلف لدى الرجل عن المرأة، فالأمر يتعلق بدوافع نفسية واجتماعية ودينية، بحيث يضع ضوابط لملابس وسلوكيات زوجته وسلوكها مع الآخرين، فهو مأمور بذلك شرعا بجانب دوافع عاطفته وحبه لزوجته، فلا يريد أن يرى مفاتنها أحد غيره، في حين يختلف الأمر عند المرأة، حيث تكون الضوابط والخطوط الحمراء على علاقات الزوج بالآخريات، وهو ما يكون في الغالب بدوافع عاطفية فقط تحرك مشاعر المرأة للحفاظ على زوجها وألا ينظر ولا يرى غيرها.

سلاح ذو حدين
تصف د. مها معروف، استشاري العلاقات الزوجية والأسرية، الغيرة بأنها سلاح ذو حدين، فكما هي مشاعر عاطفية جميلة تعبر عن الحب والاهتمام بين الشريكين، فإنها أيضا قد تودي بالعلاقة الزوجية وتسبب انهيارها، ومن ثم يجب أخذ إيجابيات الغيرة في تقوية العلاقة بين الشريكين وتحقيق السعادة النفسية والعاطفية في الحياة الزوجية، وتجنب سلبياتها من شك وانعدام للثقة عندما تتخطى حدها الآمن وتفقد توازنها، حيث يزداد الصدام بين الزوجين ما من شأنه أن يهدم الأسرة. لافتة إلى أن وجود خلل في الشخصية واضطرابات نفسية سبب رئيسي في أن تتحول الغيرة الإيجابية المفيدة إلى شك ووسواس نفسي، يخيل للمرء دائما أن الشريك يخفي شيئا عنه، وأنه قد يخونه، فيصبح في حالة بحث دائم عن الهفوات والصغائر والسعي وراء افتراضات خيالية، من هنا تبدأ المعاناة بين الشريكين، وتلك الحالة من شأنها أن تحول الحياة الزوجية إلى جحيم.
تضيف: عدم الثقة بالنفس من جانب الزوج تسبب غيرة قاتلة، حيث قد يستخدمها كوسيلة لتفريغ ضغوطه الداخلية وشعوره بالنقص والضعف، فيطلق العنان لعقله الباطن لتبني الأفكار السلبية بشكل غير سوي، وقد يصل الأمر إلى حد الاعتداء على الزوجة بالضرب والإهانة واتهامها بالخيانة من دون أن يكون للأمر أساس على أرض الواقع أو أدلة عقلانية تؤكده، وهذا النوع من الغيرة يُعتبر مرضا، يحتاج إلى علاج نفسي. خصوصا أن الغيرة السلبية لا تتسبب في تفكك الأسرة وانهيار العلاقة الزوجية فقط، بل لها أضرارها النفسية والصحية، كالإصابة بالاكتئاب والتوتر والقلق والاضطرابات النفسية الأخرى، هذا بجانب ما تسببه من أمراض عضوية كآلام الرقبة والظهر والمفاصل، في المقابل فإن الغيرة الإيجابية تحسن من حالة الإنسان النفسية والصحية وتمده بمشاعر إيجابية تجعله في أفضل حال.
ومن الممكن تحويل الغيرة المرضية السلبية إلى إيجابية مفيدة تدعم العلاقة الزوجية، من خلال تدعيم العاطفة بين الشريكين كبديل للتسلط ورغبة التملك والسيطرة، وبناء الثقة والروابط النفسية كبديل عن الشك والخيالات المريضة، ما يكون له تأثيره في إعادة الغيرة إلى طريقها الصحيح.

دافع الغيرة
لتفادي تحول الغيرة الإيجابية إلى سلبية ضارة، تؤكد الدكتورة بسمة جمال، المتخصصة في الإرشاد الأسري، ضرورة أن يبقي الشريكان على العاطفة والحب كدافع وحيد للغيرة، وعدم السماح لرغبة التملك والاستحواذ بأن تكون هي المحرك لمشاعر الغيرة، وأن يكون للطرفين مساحة من العقل يتحكمان بها في الغيرة وليس مشاعرهما فقط، حتى يستطيعا السيطرة عليها ولا تصبح خارجة عن السيطرة وزائدة عن الحد فتأتي بنتائج وخيمة على الحياة الزوجية، أيضا عدم الخلط في مشاعر الغيرة بين العلاقات الاجتماعية المختلفة سواء المهنية أو الحياتية، والتفرقة بينها بحسب طبيعة تلك العلاقة والغرض منها، مع ترك مساحة من الحرية والخصوصية للشريك في حدود الطبيعي والمقبول في إطار العلاقة الزوجية. مع الوضع في الاعتبار أن مشاركة الزوجين حياتهما الاجتماعية والمصارحة والوضوح فيما بينهما، يزيد أواصل الترابط في العلاقة كما يجعل الغيرة في حدود الطبيعي، مع ضرورة وجود اهتمام متبادل بين الشريكين، وإظهار مشاعر الحب كلما سنحت الفرصة، ما يكون له تأثيره الإيجابي في توطيد العلاقة والثقة بينهما وتعزيز مشاعر الأمان الطمأنينة.
ويجب على الشريك النظر إلى إيجابيات الطرف الآخر ومميزاته، ولا يركز فقط على عيوبه وأخطائه، فعليهما تحدي المشاعر والأفكار السلبية معا، والتي تتسلل إلى العقل الباطن وتسيطر عليه وتوجهه نحو افتراضات خيالية غالبيتها سلبية ضد الشريك، بما يبدد الثقة بينهما والطمأنينة والأمان في العلاقة، ومن ثم تكون الحياة الزوجية في مهب الريح وعرضة للتفكك والانهيار.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.