الغيرة بين الأصدقاء… جسر للقطيعة تشوه العلاقات الدافئة وتثير مشاعر النقمة والنفور

0 193

القاهرة – مختار عبد الحميد:

الغيرة أحد أساليب التعبير عن الحب والمشاعر، وهذه المشاعر تضطرب مابين الخوف من فقدان هذا العزيز نتيجة لتدخل طرف ثالث،أو الغضب والشعور بالاضطهاد وعدم تقدير التضحيات التي يقدمها لمن يكن له هذا الحب، وهي تصيب جميع العلاقات الانسانية مثل العلاقات العاطفية، والعلاقات التي تربط الأصدقاء، والعلاقات الأسرية كعلاقة الأخوة فيما بينهم وتنافسهم للحصول على اهتمام الوالدين. وهي من التجارب المؤلمة إلا أنها مهمة وقد تكون دافعة لبقاء هذه العلاقة ونجاحها، ولكن عندما تحيد عن مسارها وتزيد عن حدها وتتحول لقيد خانق ومؤلم وجارح، تكون نتيجتها الابتعاد والفراق.
ولأهمية العلاقة بين الاصدقاء اجرى عدد من الخبراء المتخصصين في علم النفس والاجتماع دراسة حول علاقات الصداقة الحقيقية ووضع معايير ومواقف لكشف ومعرفة علامات الغيرة بين الأصدقاء وطرق علاجها، والأشياء التي يجب أخذها في الاعتبار لكبح مشاعر الغيرة والعودة إلى الواقع.
فالاصدقاء الأوفياء نجدهم دائما إلى جانبنا في الأوقات الصعبة ونتبادل معهم لحظات الفرح ولا يتخلون عنا في الشدائد. ومن خلال هذا التحقيق نتعرف على أشكال ومظاهر هذه الظاهرة وكيفية التخلص منها، ونتعرف على بعض التجارب الحياتية لأخذ العبرة وتلافي الوقوع فيها.

تجربة مريرة
تقول الفنانة التشكيلية (أ. س) إنها مرت بتجربة تركت أثر سلبيا في نفسيتها جعلتها تفكر أكثر من مرة عند تكوين صدقات ،لأنها ترى أن علاقة الصداقة من أكثر العلاقات الانسانية ترابطا، فالصديق في الكثير من الأحيان يكون أقرب من الأخوة، فهو كاتم السر ودائما موجود في السراء والضراء، وتروي أنها ارتبطت مع إحدى الفنانات بعلاقة صداقة كبيرة لدرجة أنهما بدأ يعملان سويا من أجل نشر وعرض أعمالهما الفنية والوصول إلى الانتشار والتواجد في عالم الفنون التشكيلية، ورغم أن صديقتها كانت ذات موهبة كبيرة وأعمالها بمستوى راق، إلا أنها كانت تشعر في قرارة نفسها بالغرور والتكبر، ورغم أنها كانت تحاول أن تساند صديقتها وتتعاون معها للوصول إلى الشهرة، فقد اكتشفت أن هذه الصديقة تغار منها وتدعي أنها صاحبة الفضل عليها وتنشر عنها الأكاذيب، ما جعلها تفقد الثقة بها وتقاطعها وتكون حذرة عند التعامل مع الآخرين حتى من أقرب الأصدقاء.
تقول هدى محمد: خلال فترة الدراسة الجامعية كانت لي صديقة غيورة ومريضة بحب التملك والسيطرة، فكانت ترافقني في جميع محاضراتي ولا تتركني حتى فى أوقات الفراغ، فعندما اصل إلى الجامعة اجدها في انتظاري وترافقني في كل مكان حتى موعد انتهاء اليوم الدراسي والعودة إلى المنزل، لدرجة أنها كانت تقول لي: هوأنا خلفتك ونسيتك؟ وكانت تغار علي بشدة، ويظهر ذلك على وجهها وخصوصا عندما تجدني أتحدث مع صديقة غيرها، واذا شعرت أن هناك تقاربا بيني وبين احدى الزميلات، تبحث عن أي وسيلة كي تباعد بيني وبين هذه الصديقة، لدرجة أنه في إحدى المرات طلبت من إحدى الزميلات المتفوقات أن تساعدني في تحصيل بعض المواد الدراسية، وعندما علمت صديقتي الغيورة بتقربها مني، نجحت بالوقيعة بين وبين تلك الصديقة حيث أخبرتها أنني “صاحبة مصلحة” وأن رفقتي لها لتساعدني في دروسي فقط، وعندما أحصل على ما أريد سوف أقطع علاقتي بها، وهكذا كانت تسبب لي الكثير من المشكلات، فقررت أن أقطع علاقتي بها، ولكن بعد فترة عرفت أنها اصيبت بحالة من الانطواء والعزلة ما جعلني أعود لعلاقتى بها مرة أخرى ولكن كان علي أن أكون أكثر حذرا في التعامل معها حتى لا تسبب لي ي مشكلات مع أحد، فالصداقة في حد ذاتها علاقة إنسانية راقية تقوم على الود والتعاون والتكامل، مندون قيود أو سيطرة.
ترى صفاء عبد الله، أن الغيرة بين الأصدقاء غير موجودة، فالصديق يحب أن يرى صديقه دائما في أحسن حال، والغيرة عليه تدفعه إلى الوقوف بجانبه في أفراحه وأحزانه وأن يكون سندا له عند الكبوات، أما الغيرة فهي ليست إلا حسدا من شخص غير راض عن حياته ،ضعيف النفس، لا يحب الخير إلا لنفسه فقط، ومن الأفضل البعد عنه وعدم التعامل معه حتى نتجنب شروره.

مظاهر الغيرة
تقول الدكتور عزة كريم أستاذة علم الاجتماع : الغيرة غريزة أساسية عند الانسان والحيوان كذلك، وتتأثر كثيرا بالتربية والتنشئة والمؤسسات التعليمية ووسائل الاعلام، فقدر من الغيرة المسيطر عليه مطلوب، ليكون دافعا للتقدم والاجتهاد للوصول إلى مستوى أعلى من خلال الغيرة الايجابية من المتفوقين وأخذهم مثالا وقدوة للرقي، وإذا زادت عن حدها تحولت إلى سلاح تدمير، يخرب العلاقات ويسيء إلى العلاقات الانسانية، ويقطع قنوات التواصل بين الشخص الغيور و أقرب أصدقائه أو حتى أهله. وللأسف فإن هذا الشكل السلبي للغيرة يكون أكثر تدميرا على الشخص الغيور، ويجعله في حالة نفسية مضطربة غير مستقرة تحيطها الانطوائية والوحدة، ولابد من السيطرة على الجزء السلبي للغيرة مبكرا من الصغر، حتى لا يتحول إلى طبع لا يستطيع الانسان التخلص منه، وهذا دور الأسرة والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام، من دون اهمال الجانب الايجابي منها لتكون دافعا للتقدم.
ومن الصور التي تظهر حالة الغيرة بين الاصدقاء مبالغة الصديق الغيور في مجاملته لصديقه في سعادته وفرحه، وتصنع ردات فعل ليبرز مدى سعادته المصطنعة ليخفي مشاعر الغيرة. في حين أن الصديق الحقيقي يقف بجوار صديقه ويشاركه لحظات فرحته وأحداثه السعيدة، أما الغيور فلا تجده وقت فرحك ولا يشاركك سعادتك، وان كان موجودا فهو يتصنع السعادة، في حين أنه موجود دائما في أوقات الحزن العصيبة، يخفي سعادته لحزنك وألمك، فهو لا يحب الخير لك ويكره أن يراك في نعمة. كما أنه يتعمد مقاطعتك أثناء حديثك والجميع يصغي إليك باهتمام، ويقطع كلامك ليستولي على انتباه الآخرين. وهو يستخف بإنجازاتك وطموحاتك ونجاحك ويحاول أن يعكس عليك حالة الإحباط التي يشعر بها، ما ينعكس سلبا على نفسيتك. وإذا عرضت عليه فكرة مشروع جديد، ستجد ردة فعله سلبية وغير مشجعة، من دون ابداء أسباب. كما أنه يسعى دائما لتقليدك، حتى لا تكون أحسن منه.
أسباب الغيرة
تقول الدكتورة هناء أبو شهبة أستاذ علم النفس الاكلينكي، عميد كلية الدراسات الانسانية السابقة، جامعة الازهر : عاطفة الغيرة هي نتيجة تفاعل الوراثة والبيئة معا، فهي من العواطف السلبية التي يحملها الانسان، لذا فهي تختلف من شخص إلى آخر حسب تأثره بالموروثات التي يكتسبها من خلال وسطه الذي يعيش فيه، فالتربية الخاطئة تقوم على اثارة مظاهر التنافس مع الاخرين ليكونوا الأفضل، والتفوق عليهم، فنجد المقارنات بين أبناء الجيران أو الأخوة أنهم حصلوا على درجات أعلى، ما يثير دوافع الحقد والعدوان تجاه الآخرين. ومع تقدمه في السن واتساع دائرة علاقاته نجده يحقد على اقرانه الاكثر علما أو اصحاب المنزلة الاجتماعية الاعلى، فنجده يريد أن يجاريهم وأن يحصل على ملابس مثل التي يرتدونها وركوب سيارات مثلهم، لذا من الأفضل عدم التجاوب معه والابتعاد عنهم تجنبا للآثار السلبية والمشكلات التى قد تأتي من خلالهم.
ومن الأسباب التي تؤدي إلى الغيرة كما وردت في الدراسة أن المرء يجد في صديقة المتنفس والشخص الوحيد القادر على تقبله كما هو، وخصوصا من يشعر بالغربة في بيته فيجد في صديقه الملاذ الذي يبوح له بأسراره، فيشعر أن صديقه ملك له وحده، ويظهر هذا جليا لدى المصابين بظاهرة حب التملك والسيطرة، فهم يعتقدون أن أصدقاءهم لهم وحدهم ،فهم اعتادوا على نيل ما يريدون والاستحواذ عليه، من دون الاعتبار لمشاعر الغير، كما تمثل الصداقة نوعا من إثبات الذات والتحرر عن نطاق الأسرة إلى عالم خاص بعيداً عن قيود الأسرية.
وقد تكون الظروف الاجتماعية والتربية أحد الاسباب المؤدية للغيرة، كانفصال الوالدين أو فقدان أحدهما أو وجود مشكلات أسرية تحول دون وجود شخص يمكن أن يتفاعل معه الانسان ويبوح له بأسراره، فيجد في عالم الصداقة بديلًا ومتنفسًا يجعله يرتبط بصديقه ولا يقبل أن يشاركه فيه أحد.وكذلك الشخصية الانطوائية التي لا تستطيع تكوين صداقات بسهولة، عندما ترتبط بصديق تلتصق به لعجزها عن تكوين صداقات جديدة ما يجعله فريسة سهلة للغيرة على هذا الصديق الذي لا يستطيع أن يجد غيره. فالغيرة في الاساس تنتج من الإفراط في مشاعر الصداقة والمبالغة فيها تجاه الصديق أو الصديقة ما يؤجج نيران الغيرة والتي قد تحرق هذه الصداقة.
ويجب الحذر من محاصرة صديقك بالرسائل والمكالمات التي تخترق خصوصياته، وحاول التقليل من المكالمات والرسائل معه إلا في أضيق نطاق. حاول التنويع من صداقاتك وعدم الارتباط بصديق واحد ،مع الأخذ في الاعتبار حسن الاختيار والاهتمام بالخلق والدين.

You might also like