الفتاة الانطوائية… فريسة الاكتئاب والميول الانتحارية تتعرض للفشل في حياتها الزوجية والعاطفية لافتقادها فن التعامل مع الرجل

0 1٬813

التربية الخطأ أهم الأسباب… والاحتواء والمتنزهات أول طريق العلاج

المعاملة بلطف وقيادة زمام الأمور وتعزيز الثقة تقوي شخصيتها

القاهرة – علا نجيب:

تعانى فتيات كثيرات من الانطوائية والخجل، الامر الذي يسبب لهن حرجا بالغا، يجعلهن غير قادرات على عقد صداقات جديدة، وخوض غمار النشاطات الاجتماعية المختلفة والتكيف مع المجتمع، والابتعاد عمن لا يعرفن، وتنعدم لديهن الرغبة فى اظهار مشاعرهن حتى أمام الأقرباء.
حول أسباب وأعراض “الانطواء” الذى تصاب به الفتيات، وكيفية الوقاية منه، وعلاجه،أكد عدد من الباحثين والمختصين النفسيين في لقاءت مع “السياسة” أن التربية القاسية الأمر الذي يشعرها بفقدان الثقة في نفسها، ويدفعها للعزلة، وعندها تصبح فريسة لمشاعرها الثائرة وتأنيبها لذاتها وتشعر أن حياتها ليس لها قيمة فتلجأ للتخلص منها بالانتحار. وفيما يلي التفاصيل:
بداية، أكدت أستاذ علم النفس الدكتورة محاسن نوفل، أن شخصية الفتاة الانطوائية تتسم بالميل إلى العزلة، وعدم الرغبة فى الاختلاط مع الأقران والأقارب، وتعشق الهدوء وكتمان ما يجول بصدرها، وتعتمد على مخزونها الداخلى من الوحدة وهذا الكتمان الذى تنامى لديها منذ نعومة أظفارها يكون نتيجة لتعرض الفتاة لنظام تربية قاس، وخوف مرضى من قبل أحد الوالدين، الأمر الذي يؤثر عليها ويشعرها أن العالم كله يخلو من الأمان والثقة، فلا تجد أمامها سوى الابتعاد عنه والانطواء على نفسها، ودائما يكون لديها فشل وعدم قدرة على عقد صداقات جديدة، وشعور بالخجل اذا ما تواجدت فى مكان غريب عنها، بل يتطور الأمر لديها إلى حالة من الارتباك مما يدفعها للهروب بعيدا أو الانزواء في أحد الأركان.
أضافت: رغم كل ما سبق إلا أن الفتاة الانطوائية تتسم بقدرتها على الانتباه لأدق التفاصيل والتركيز عليها، كما لا تقبل التعرض للنقد اذا ما واجهته، حيث تفضل الانسحاب بعيدا، وعادة ما يكون لديها اضطراب داخلي، وصراعات عميقة نتيجة لعرض أفكارها ومناقشتها بمفردها دون اشراك أى شخص معها، ومع تكرار الأمر قد تصاب بالاكتئاب وتنامى الميول الانتحارية فى بعض الأحيان، خصوصا أنها إذا ما تعرضت للحرج أو الضيق فإنها تصبح فريسة لمشاعرها الثائرة وتأنيبها لذاتها فتفقد الثقة بنفسها وتشعر أن حياتها ليس لها قيمة فتلجأ للتخلص منها.
وتابعت “معظم الفتيات اللاتي يعانين من الانطوائية يتعرضن للفشل فى حياتهن الزوجية والعاطفية فى الأغلب، لا سيما أن كل منهن تفتقد إلى فن التعامل مع الرجل وفهم مشاعره، فالرجل يشعر كأنها تعيش فى عالمها الخاص وترفض اشراكه فيه فتظهر بينهما الحواجز النفسية وتتنامى يوما تلو الآخر؛ لذا يجب عليهن الاعتراف أمام أنفسهن أولا بمشكلتهن النفسية حتى يسهل علاجها بعد ذلك.

حوار داخلي
من جهته، أكد الخبير النفسي الدكتور عبد الله زيان، أن علامات الانطوائية تظهر عند الفتاة منذ الطفولة، فدوما تعزف عن المشاركة فى الأنشطة الاجتماعية والرياضية التى تقيمها المدرسة كالمسرح أو المسابقات الجماعية، بينما تسارع إلى المشاركة بالمسابقات الفردية، كما تتعرف على الناس بصعوبة، وتشعر بالخوف والخجل عند التحدث مع الغرباء، وتختبئ وراء الأم كنوع من أنواع الاحتماء بها، ترغب فى اللعب مع نفسها أو مع اخواتها فقط، ولاتميل إلى الزيارات العائلية التى يتجمع فيها الكثير من أفراد العائلة، كذلك تميل الى الحوارات والمناقشات الداخلية مع نفسها.
وذكر أن من أهم سمات هذه الفتاة الانطوائية أنها صريحة لا تعرف المجاملات، لذلك تتسبب صراحتها الزائدة في الكثير من المشكلات لها، وتجعل العديد من الأشخاص ينفرون منها، فى أغلب الأحيان لا تستطيع السيطرة على عصبيتها وغضبها اذا ما تحملت المسؤولية، فتشعر بنوع من التوتر والخوف من الفشل، ومن صفاتها أيضا أنها تعشق القراءة والموسيقى حتى تعيش معهما في عالمها الخاص بعيدا عن أعين المتطفلين على حد اعتقادها. ولفت إلى ضرورة أن يفرق الوالدان بين الانطوائية والتوحد، فالطفل المتوحد يعيش داخل عالمه ولا ينتبه الى المحيطين به ويجد صعوبة فى التحدث معهم بشكل طبيعى، كما يجب على الأهل والأصدقاء مساعدة الفتاة على قهر انطوائيتها والتغلب عليها بتشجيعها على الاشتراك في الأنشطة الاجتماعية، اشراكها فى الأحاديث العائلية،الاعتداد بآرائها،عدم التقليل منها، مما يساعدها على اكتساب ثقتها بنفسها ويجعلها تشعر بالراحة النفسية فتبدأ فى التعبير عن نفسها.

ذكرى سعيدة
بدورها، أكدت خبيرة التأهيل النفسي أمانى نوح أن مشكلة الفتاة الانطوائية تنمو لديها منذ الصغر، بسبب التربية الخطأ، اذ يميل الأبوان إلى كبت حرية أطفالهم بسبب الخوف الزائد أو الديكتاتورية المطلقة، فتفتقد الفتاة الثقة بالنفس، ولا ترغب فى الاندماج بين أقرانها، ولا تستطيع البوح عما ترغب فيه أو تحبه، فإذا ما وقعت فى حب شخص ما، فإنها تعجز عن التعبير عن ذلك أو حتى إعطاء شريكها فرصة للتعبير عن حبه مما يسبب لها الفشل فى الحياة الزوجية، كما أن المضايقات أو التنمر الذى قد تتعرض له نتيجة لخجلها الزائد،يجعلها تحب العزلة والوحدة، قد تحاول تعويض ذلك بالنجاح والتفوق فى المدرسة أو الاطلاع الواسع،مما يجعلها تشعر أن لها حياة خاصة وهوايات لا يشاركها فيها أحد.
وأشار إلى أن احتواء الانطواء يعتبر أول خطوة لعلاج المشكلة، لاسيما أنه يكون نابعا من الغموض والجانب الخفى فى الشخصية، لذا فإن محاولة فهم الانطواء واحترامه سوف يظهر تأثيره على الثقة بالنفس وسيلاحظه المحيطون بها، مشيرة إلى أن اختيار الأماكن المريحة أو التى ترتبط بذكرى سعيدة سيشجعها على التغلب على الانطوائية، وكذلك الأماكن المفتوحة كالمتنزهات أو الشاطئ تعطيها الكثير من الفرص لفتح محادثات مشوقة، ومن ثم نسيان ما يختلج فى صدرها من مشاعر متضاربة.
من جانبها، كشفت خبيرة العلاقات الزوجية مايسة كمال، أن الزوجة الانطوائية تضع حدودا مع المحيطين، أهل الزوج و معارفه،وتكره الزيارات والمناسبات الاجتماعية،وتعتذر عن مصاحبة زوجها مما يجعله يشعر بالوحدة والانفصال عنها، وبخاصة انها لا تشاركه مناسباته، بل تتذمر دائما إذا ما حاول اشراكها ودمجها مع محيطه، لأنها تكره التحدث أمام أحد، فى بعض الأحيان تفرض على زوجها وأبنائها عدد ساعات معينة عند زيارة أحدهم مما يجعلهم يشعرون بالضيق والتذمر. وطالبت الزوج بضرورة التعامل بحكمة معها، فيتحدث معها بلطف عن أهمية التجمعات العائلية،لأنها تقوى من أواصر الصلة والثقة بين الأشخاص،وكيف أن الدين الحنيف أوصانا بصلة الرحم، مع اختيار التوقيت المناسب للحديث، ويستحب أن يكون بعد انتهاء يومها حتى يكون لديها استعداد لتقبل النصيحة، لافتة إلى أن المناقشة بهدوء ودفء قد يساعد على حل المشكلة، يشجع الزوجة على حضور المناسبات الاجتماعية ارضاء لزوجها، من المهم أن تقتنع الزوجة أن انطوائيتها سوف تؤثر مستقبلا على أطفالها وعلاقاتهم الاجتماعية فى المدرسة ومع أصدقائهم.

أحكام مسبقة
ولفت استشارى العلاقات الزوجية الدكتور محمود البنا، إلى أن نظام التربية الصارم وعدم احترام خصوصية الفتاة تنمى داخلها الميول الانطوائية فتكبر معها، فيما يوجد بعض الرجال يعتقدون ان الفتاة الانطوائية غامضة،ويحاولون الوصول اليها لكن بعد الزواج أو حتى فى مرحلة الخطوبة يشعرون بنوع من الفتور والملل، لذا لابد أولا من التخلص من الأحكام والقناعات المسبقة عن الزوجة بأنها شخصية غريبة الأطوار ولا تملك الحد الأدنى من الثقة بالنفس، الأهم أنه لا يمكن توقع ردات فعلها فى أمور بعينها عكس الاعتقاد السائد، لذا على الزوج أن يتأكد أنها ستقوم بكثير من التقلبات والأفعال غير المتوقعة،غالبا لا يتم معرفة مصدرها أو دوافعها، أيضا يمكن السماح لها بالقيادة. وأوصى بضرورة إعطائها الثقة بالنفس،فتعبر عن احتياجاتها دون خجل، كما أن المعاملة بلطف سوف يكون له مفعول السحر معها، فلا يفرض الأمر الواقع عليها، لا يلومها أو يوجه لها التأنيب، كى لا يجعلها تشعر بالذنب، داعيا الزوج إلى أن يحتضن يدها، يردد على مسامعها كلمات التشجيع والحب، للتخلص من عقدة الانطواء، أما اذا لم تتحسن فى علاقاتها الاجتماعية فمن الأفضل عرضها على أحد الأطباء النفسيين حتى لا تتحول الانطوائية إلى اكتئاب فى بعض الأحيان أو ميل للعزلة وبعدها الرغبة فى الانتحار.

الشعور بالإرهاق
واعتبر أستاذ علم الاجتماع الدكتور أحمد الشافعى أن الطفلة الانطوائية تصبح زوجة أكثر إحساسا بالوحدة، فلا تحب الحفلات أو الاندماج مع الناس مما يصيب زوجها بالضيق والتبرم، خاصة إذا كان شخصا اجتماعيا يحب الظهور والأضواء. مع الأخذ في الحسبان أن تلك المشكلة عادة ما تكون حصيلة تربية خاطئة تتركز على التدليل والعقاب الزائد، فلا تستطيع تلك الشخصية العمل وسط الزملاء أو فريق عمل كبير فتشعر بالإرهاق، ولاسيما إذا أجبرت على العمل، فتبدأ فى حساب الوقت الذى تعود فيه إلى المنزل لتشعر بكيانها وملكها الخاص، لذا على الزوج ان يدرك أن زوجته تشعر بالوحدة وسط الجماعات، وأن يساعدها فى التغلب على مخاوفها تدريجيا، لأنه أكثر شخص يستطيع علاج الانطوائية، خاصة اذا اقتنع أنه يمكن علاجها. وأضاف يجب على الزوج أن يشعر زوجته طوال الوقت أنه يحترمها، ويفهم ما يدور بخلدها، ويبدأ فى الحديث معها،ويدعو أصدقاء قريبين منهما في المنزل ثم الخروج معهم بالأماكن العامة، ويمكن أيضا أن يقنعها بضرورة المشاركة فى أنشطة اجتماعية وخيرية لملء فراغها وان يصحبها فى زيارات عائلية كنوع من أنواع صلة الرحم،فإذا ما شعرت الزوجة بتقدير زوجها سوف تحاول تغيير انطوائيتها والتخلص منها.

حب الخصوصية
إلى ذلك، ذكرت خبيرة الاتيكيت نرمين حسب الله،، أن الفتاة الانطوائية تحب الخصوصية، وتبذل جهدا مستمرا لتحظى بها ولا تعطى فرصة لمن يتطفل عليها، غامضة يصعب على الآخرين فهمها، قليلة الكلام، تحب الجلوس وحدها بعيدا عن أعين المحيطين بها حتى فى الحفلات و المناسبات الاجتماعية، منظمة للغاية،تتميز بالنجاح فى حياتها المهنية، تتمتع بذكاء كبير،تتأمل المشكلات وتحاول البحث عن حل لها ولا تتوان عن ذلك.
وأشارت إلى أن مشاعر الانطواء تظهر بين الذكور أكثر من البنات، فالبنت معتادة على التواجد بين الأقارب والصديقات، مبينة أن الفتاة يجب عليها التخلى عن وحدتها، ومقاسمة المشاعر بين الصديقات لأن الحديث عن العواطف والأحاسيس يقوى العلاقة والروابط الاجتماعية، أما حجبها فيوسع المسافة بينها وبين الآخرين، كما أن الخوف من الوقوع فى فخ الزواج والحب أو حتى المغامرة العادية يحرمها من الاستمتاع بملذات الحياة ومتعها.

You might also like