الفريعة بنت مالك زوجات صالحات 17

0

إعداد – أماني أحمد:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله”. نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة الفريعة، والدها مالك بن سنان، الأنصاري، الخزرجي، وأخوها مفتى المدينة سعد بن مالك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه المحدث والصحابي الجليل، قال عنه ابن الأثير في كتابه “أسد الغابة”، وكذلك ابن عبد البر حين صنف “الاستيعاب”: “كان أبو سعيد من الحفاظ المكثرين، العلماء، الفضلاء، العقلاء”.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبي في كتابه ” المائة الأوائل من صحابيات الرسول “صلى الله عليه وسلم”: من أراد أن يحيط علما أكثر بأسرة الفريعة الطيبة، فليعلم أن أخاها لأمها المجاهد البدرىي قتادة بن النعمان الأنصاري، الرامي المسدد يوم أحد، البطل الذي سالت عينه على خده ورحى معركة أحد دائرة، فأسرع إلى النبي “صلى الله عليه وسلم” فردها بيده الشريفة إلى مكانها فكانت أحسن عينيه.
وأما أخت الفريعة لأمها فهى المؤمنة المبايعة أم سهل بنت النعمان الأنصارية، فرضى الله عن هذه الأسرة الكريمة، كم أصاب أفرادها من الخير والفضل بجوار الحبيب الأعظم “صلى الله عليه وسلم”!!
ولما نادى المنادي في المدينة أن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” قد أصبح بظاهرها، خلت الدور من أهلها، وخرج الناس لاستقبال ضيفهم الأكرم، وكان مالك بن سنان وابنته الفريعة وسائر أسرته في طليعة المستقبلين.
ونزل رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ضيفا على أبى أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه، ثم أمر ببناء مسجده الشريف والحجرات الملحقة به لسكن أزواجه، أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين.
وكانت الفريعة رضي الله عنها قد تزوجت سهل بن رافع أحد رجال الخزرج، ولكن لم تطل حياته معها، فقد أبق عدد من عبيده، واضطر إلى الخروج في طلبهم، وكانوا قد أعدوا له كمينا فغدروا به وقتلوه.
ولما علمت الفريعة بمصرعه حزنت عليه حزنا شديدا، وفكرت الفريعة في الرجوع إلى بيت أهلها للعيش بينهم، لكنها وهى التقية المؤمنة، آثرت أن تستشير النبى “صلى الله عليه وسلم” في أمرها .
وقد أخرج الإمام ملك في موطئه برواية يحيى، عن مالك، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة أن الفريعة بنت مالك بن سنان-وهي أخت أبي سعيد الخدري – أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله “صلى الله عليه وسلم” تسأله أن ترجع إلى أهلها في بنى خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله “صلى الله عليه وسلم” أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله “صلى الله عليه وسلم”: “نعم” قالت: فانصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم – أو أمر بي، فنوديت له – فقال: “كيف قلت؟” فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي ، فقال: “امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله” قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان رضي الله عنه أرسل إلى فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه وقضى به.
لقد اعتدت الفريعة أربعة أشهر وعشرا، ثم خطبها رجل من أنصار بني ظفر فتزوجته، وباتت الفريعة رضى الله عنها مرجعا لهذا الحديث ترويه لكل من يسألها عنه.
وكانت أسرة الصحابي الجليل مالك بن سنان محبة للجهاد، وملازمة لمجالس رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ويذكر يوم أحد أن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” قد كسرت رباعيته، وشج وجهه، وشقت شفته، وخضب الدم وجهه الشريف، فهبت ثلة من الصحابة إلى مكان وجوده مستلقيا على الأرض وجعلوا من أنفسهم تروسا ليحولوا دون وصول أي شيء يضره من العدة إليه.
وأسرع أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى رسول الله “صلى الله عليه وسلم” لينتزع بأسنانه حلقتين من حلقات المغفر انغرزتا في ذلك الوجه المنير، وبادر مالك بن سنان، والد الفريعة وأكب على وجه النبي “صلى الله عليه وسلم” يلعق الدم الذي غطاه، ونظر إليه رسول الله “صلى الله عليه وسلم” فوجده يبتلعه، فقال له “صلى الله عليه وسلم”: “مجه”، فقال مالك: والله، لا أمجه أبدا! وخالط دمه دم رسول الله “صلى الله عليه وسلم” فوقى نفسه من النار، لأن النار قد حرمت على كل جزء من جسد رسول الله “صلى الله عليه وسلم”.
وأخذ مالك ينافح عن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” حتى سقط دونه شهيدا، واحتسبت الفريعة والدها عند الله، واستسلمت لمشيئته، واستعانت بالصبر والصلاة كما أمر، رب الخلائق والبشر.
كانت الفريعة ذات عقل راجح، وفكر واع، وقد أهلها حضورها لمجالس رسول الله “صلى الله عليه وسلم” إلى تلقى الحديث عنه وبلوغ سدة الرواية، وبلغ عدد الأحاديث التي روتها عن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” ثمانية، ومما يدل على مكانتها الرفيعة أخذ عثمان بن عفان رضي الله عنها حديث عدة المتوفى عنها زوجها الذي ورد آنفا، وقضى به، كما عمل به فقهاء المدينة والحجاز ومصر الشام والعراق.
إنه لشرف كبير بلغته الفريعة يوم فتحت قلبها للنفحات التي تحف بمجالس العلم التي كان يديرها المعلم الأول أعلم الناس، لأنه تلقى علمه عن العليم العلام، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، لقد كان معلم الناس الخير، ولم يكن للشر في علمه نصيب.
لقد تشرفت الفريعة بمرافقة رسول الله “صلى الله عليه وسلم” مع بعض صواحبها من نساء الأنصار إلى الحديبية، ونالت من ربها الرضوان.
لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز واصفاً أولئك المبايعين والمبايعات: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا، ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما سورة الفتح الآيتان18و19.
وفازت ببشارة دخول الجنة فقد أخرج الترمذى عن سليمان التيمى، عن خداش، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي “صلى الله عليه وسلم” قال: “ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر” قال أبو عيسى الترمذى: “هذا حديث حسن غريب”.
وحدث قتيبة، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال : قال رسول الله “صلى الله عليه وسلم”: “لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة”، قال أبو عيسى الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”.
وكانت الفريعة ممن بايعن النبي “صلى الله عليه وسلم” يومئذ وقد روى معاوية بن عمرو، قال : حدثنا زائدة، عن سليمان، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر قالت:جاء غلام حاطب، فقال: والله لا يدخل حاطب الجنة، فقال رسول الله “صلى الله عليه وسلم”: “كذبت قد شهد بدرا والحديبية” رواه أحمد.
رحم الله الفريعة وأهلها وحشرهم مع خاتم المرسلين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثلاثة × خمسة =