التاسع من ديسمبرمن كل عام يوم عالمي لمكافحته

الفساد بكل أنواعه جريمة تصدى لها الإسلام واعتبر المفسدين أعداء القيم الإنسانية والدين التاسع من ديسمبرمن كل عام يوم عالمي لمكافحته

* الإسلام يعالج مشكلة الفساد بطريقة منطقية وحكيمة انه ينظر إلى الأسباب الجوهرية ويسعى لعلاجها
* الإسلام يعمل على تنمية الوازع الديني لأنه هو الذي يمنع الانسان من ممارسة الفساد وارتكاب جرائمه

يحتفل العالم في 9/12 من كل عام باليوم العالمي لمكافحة الفساد بوصفه جريمة خطيرة وظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة تؤثر على تقدم الامم واستقرارها ومن ثم تؤثر على الأمن والسلام العالمي.. وجريدة «السياسة» كعادتها تشارك العالم احتفالاته في كل المناسبات الانسانية والثقافية والعلمية وغيرها، التي تعود على البشرية بالخير واليمن والازدهار، مؤكدة في كل هذه المناسبات ان الاسلام اول من وضع قواعد الامن والتآخي والخير والسلام.. الخ، ليعيش العالم في كل زمان ومكان في امن وامان وسلامة وايمان، ويأتي هذا اليوم الذي يقف فيه العالم كله ضد الفساد وآثاره المدمرة المخربة لكل بناء ونماء لنؤكد مرة اخرى ان الاسلام ردع الفساد بكل انواعه وفرض في تعاليمه ونظمه الاخلاقية ما يصون البشرية ويحميها من هذا الوباء المدمر والجريمة الشنعاء وفي مشاركتنا العالم بهذه الاحتفالات، نلقي الضوء على مفهوم الفساد واسبابه وطرق التصدي له ومكافحته.. اليكم هذه اللقطات:

مفهوم الافساد
الفساد ظاهرة اجتماعية قديمة، لا يكاد يخلو منه عصر من العصور والفساد بكل انواعه سبب في تخلف الامم وكل ما يصيبهما من امراض تطيح باحلام ابنائها وشبابها في الارتقاء والبناء.
والفساد له الكثير من التعريفات، تشترك في وصفه بأنه إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة في تحقيق كسب خاص، فيعرف معجم أوكسفورد الإنكليزي – الفساد بانه «انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة» وتعرفه منظمة الشفافية الدولية بأنه (كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته)، ويعرفه البنك الدولي أنه (إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص، وتعريفات الفساد كثيرة تتنوع تبعا لتنوع البيئة المتواجد فيها، ولكنها تدور كلها في فلك التعريفات المذكورة.
– ومفهوم الفساد في الإسلام يتفق مع التعريفات السابقة فقد ورد ذكر كلمة الفساد في القرآن اكثر من 40 مرة بصيغ وأساليب مختلفة، منها قوله تعالى: «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» – سورة الأنبياء 22، أي لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله لخربتا وفسد نظامهما لانهما اذا اختلفا وقع الاضطراب والخلل والفساد وقوله عز وجل «قالت ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها» سورة النمل 34، قال ابن عباس: اي اذا دخلوا عنوة افسدوه: أي خربوه – وقال سبحانه «واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون» سورة البقرة 11، قال ابن كثير: يعني لا تعصوا في الارض وكان فسادهم ذلك معصية الله لانه من عصى الله في الارض او امر بمعصيته فقد افسد في الارض لان صلاح الارض والسماء بالطاعة.
وقال ايضاً «ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها» سورة الأعراف 5، اي لا تفسدوا شيئاً في الارض بعد الاصلاح بما بناه المرسلون واتباعهم المصلحون والعقلاء المخلصون من النواحي المادية والمعنوية كتقوية وسائل الحياة من زراعة وصناعة وتجارة وتهذيب الاخلاق والحض على العدل والشورى والتعاون والتراحم، والافساد شامل افساد الاديان بالكفر والبدعة وافساد النفوس بالقتل وبقطع الاعضاء وافساد الاموال بالغصب والسرقة والاحتيال وافساد العقول بشرب المسكرات ونحوها.

أشكال الفساد وصوره
للفساد صور وأشكال مختلفة، تتنوع بحسب البيئة والظروف المحيطة، ومن الصعب حصر كل مظاهر وأشكال الفساد، ومن أبرز صور وأشكال الفساد في العصر الحالي وأكثرها انتشارا تلك التي جاءت في تقارير عالمية نذكر منها الآتي:
الفساد في مجال العمل: الإهمال والتقصير، والتعدِّي على لوازم العمل، وعدم الإتقان، وعدم الانضباط والالتزام بنظم العمل، والمحسوبية وعدم تكافؤ الفرص، وبخس العامل حقوقه.
الفساد في مجال التداول والتجارة: الغش والتدليس والغرر والجهالة والغبن والبخس والمماطلة في اداء الحقوق والاحتكار والمعاملات الوهمية والرشوة والعمولات الزائفة.
الفساد في مجال الاستهلاك والإنفاق: الإسراف والتبذير، والإنفاق الترفي والبذخي والمظهرية، والتقليد غير النافع، وعدم الالتزام بالأولويات الإسلامية.
الفساد في مجال المال: السرقة والاختلاس والرشوة والتربح من الوظيفة واستغلال الجاه والسلطان والربا والمضاربات والقمار ومنع الزكاة وصور خيانة الامانة في المعاملات المالية.
ونضيف الى ذلك ايضاً الواسطة ونهب المال العام والابتزاز والمحاباة وغير ذلك من المظاهر.

التصدي للفساد وعلاجه
قضية محاربة الفساد تشغل الجميع، بدءا من الشعوب وليس انتهاء بالحكومات بل حتى المنظمات الدولية قد عملت أيضا على محاربة الفساد، ووضعت تعريفات للفساد وكذلك سبل ومقترحات لمواجهة هذا الفساد، إلا أن الملاحظ في غالبية هذه السبل المتبعة لمحاربة الفساد هو قصورها في تعريف مفهوم الفساد، وكذلك أسباب الفساد، ومن ثم وجود قصور في سبل معالجة ومحاربة هذا الفساد، علاوة على أن غالبيتها يعالج المشكلة ولا يعالج السبب، ورغم وجود بعض الحلول التى تعالج الأسباب إلا أنها تعالج الأسباب البسيطة وليس الأسباب المتجذرة التي هي الأساس في وجود ظاهرة الفساد وانتشاره في المجتمع.
الا أن الإسلام عندما يتعرض لمشكلة من المشاكل فإنه يعالجها بطريقة حكيمة ومنطقية، فالإسلام ينظر إلى أسباب المشكلة الجوهرية ويسعى لعلاجها، فإذا ما عولجت الأسباب فمن السهل حينئذ علاج الأعراض والنتائج، وهكذا هو نهج الإسلام دائما، وفي محاربة الفساد ينتهج الإسلام نفس المنهج القويم، فالإسلام قد نظر إلى هذا الفساد بكل صوره وأشكاله وأعراضه، وأدرك أسباب الخفية والظاهرة وعمل على علاجها علاجا جذريا حقيقيا وليس علاجا صوريا، كما هي المناهج العصرية التي ينتهجها الناس اليوم، ثم عالج الفساد بعد حدوثه وحاربه بسبل وطرق لا يستهان بها إطلاقا بل لقد أثبت التاريخ أن النهج الإسلامي هو أنجع السبل في محاربة الفساد، وهذا ليس بالشيء الغريب فالإسلام منهج حياة كامل متكامل صالح لكل زمان ومكان ويصلح كل ما أفسده الناس في كل زمان ومكان.
ان الدين الاسلامي الحنيف حارب الفساد منذ اليوم الاول لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم فالاسلام ذاته ثورة ضد الفساد بدءا من فساد العقيدة فقد جاء ليحرر الناس من عبادة العباد الى عبادة رب العباد وجاء ليقضي على الاخلاق الذميمية والعصبيات الجاهلية وينشر بدلاً منها الاخلاق القويمة الحميدة وتكون العصبية للدين وحده جاء ليقضي على كل مظاهر الفساد الاقتصادية والاجتماعية ويؤصل بدلاً منها كل ما هو حسن وكل ما من شأنه ان ينهض بالامة ويجعلها رائدة العالم كله.
لان جريمة الفساد انما هي مخالفة صريحة للأوامر الالهية ولما جاء بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه المطهرة صلى الله عليه وسلم وهي مخالفة للضمير الحي فهو دليل على ضعف الوازع الديني لدى الفاسد والمفسد ولهذا فان الاسلام يعمل على تنمية وتقوية الوازع الديني لدى كل افراد المجتمع حتى يكون الوازع الديني هو الذي يمنع المرء من ممارسة الفساد وارتكاب جرائمه فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: « الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات…» حديث طويل للبخاري ومسلم.