الفسيفساء المعلقة وانتشارها في الثقافة المعاصرة انطلقت منذ العصر البيزنطي وكانت هواية الملوك والنبلاء في اقتنائها

0

كتبت – د.نرمين المصري:

ان ظهور لوحة الفسيفساء المعلقة وانتشارها في الثقافة المعاصرة كاتجاه فني حديث وتطورمراحلها الفنية منذ بداية ظهورها في العصورالقديمة، يشير إلى أصالة هذا الأسلوب الفني واتخاذه مكانة خاصة ضمنت له الانطلاق والتطوروفقا لأسس واتجاهات فنية واضحة ومحددة شقت لها مسارا فنيا مميزا.
ولوحات الفسيفساء تعتبر محطة هامة في تاريخ الفن حفظت مكانتها بين الفنون المختلفة بما تتمتع به من قيمة فنية عبرالتاريخ أتاحت لها التفاعل مع الأساليب المعاصرة، وبتتبع الخطوات التي سلكتها لوحات الفسيفساء وتجسيدها لمذاهب الفن المختلفة بنجاح، نجدها تعكس رؤية مستقبلية تنبئ بآفاق ابداعية واعدة يصعب من خلالها التكهن بما ستؤؤل اليه من تطور فني لاحق، يتضح من قراءة اللوحات المعاصرة وما تذخر به من ثراء فني ملحوظ يعكس الثورة الفنية التي حققها فنانوالفسيفساء في جميع أنحاء العالم، فقد ساهمت التعددية الثقافية وتقارب الأفكار وانتشار الاتجاهات في التاكيد على خصوصية الطابع الفني وتفرد الرؤية لكل فنان على حدة، من خلال تنوعها وحتى انتشارها وازدهارأساليب معالجاتها الفنية المختلفة التي اتبعت سمات المذاهب الحداثية المتطورة.
وقد اقترنت المحاولات الأولى لظهور فكرة تلك اللوحات بداية بفكرة مثالية إلى حد ما، تبتعد كل البعد عن تجسيدالابداع الفني تحددت في الحفاظ على الأعمال الفنية القديمة رغبة في تعليقها على الجدران في صورة لوحات مستقلة، وذلك اما بنزعها من الأرضيات أواعادة نسخها بخامة مختلفة، كبعض النماذج اليونانية التي مازالت محفوظة حتى الآن في المتحف البريطاني، باستخدام وسائط فنية أكثر قوة وصلابة ومقاومة لعوامل الزمن وحفظا لها من آثار التخريب والفناء.
ويذكر أن الوجود الفعلى للوحات الفسيفساء بصورة مستقلة يرجع إلى مرحلتين هامتين في تاريخ الفن:الأولى في العصرالبيزنطي، حيث اتسمت بتعدد أشكالها وصغرأحجامها الملحوظ، فلم تكن تتعدي حينها بضعة السنتيمترات، أتاحت لها بذلك سهولة حملها ونقلها من مكان إلى آخر، وقد عرفت»بالأيقونة» أو»فن الصورالمقدسة»في القسطنطينية-اسطنبول حاليا_ ويعود ميلاد اللوحة المعلقة إلى أواخرالقرن الـ11م، فقد أمكن التوصل إلى صورة فنية مميزة لهذه الفسيفساء، وارساء القواعد الأساسية لفن الصورة المستقلة والاعتراف به كفن مستقل بذاته، ساعد على انتشارها أنها قليلة التكاليف ولا تستغرق وقتا طويلا_بالمقارنة بفسيفساء الكنائس_وتشير الاحصائيات الي»أن أكبر مجموعتين لصور الفسيفساء تمثل مجموعة البابا «بولس الثاني»ومجموعة لورنزو ميدتشي»( ).لاحتواؤها على الخامات الثمينة ذات الجودة العالية ممايرجع اليه السبب الرئيسي في خلودها وجاذبيتها الخاصة، والتي كانت سبباً في اعتراف النقاد ومؤرخي الفنون بالأهمية البالغة لهذا الفن، أما الثانية فتنتمي للمرحلة الكلاسيكية في القرن الـ18م، وعرفت باللوحات المصغرة»Miniature”أو“Micromosaic، كمقتنيات خاصة بالملوك والنبلاء يتبادلونها فيما بينهم، ومن ثم أصبحت أهم ما يميز فن الفسيفساء في روما في تلك الفترة التي أصبحت المركز الرئيسي الذي انتشرت منه فيما بعد إلى فرنسا وإنكلترا وألمانيا. كما أن تطورالأسلوب الفني فيها ساهم في ازدهارها بوصفها ابداعات فنية نادرة.
وعلى الرغم من أنها حملت توقيعات الفنانين المصورين لها_وهو ما لم يكن معهودا من قبل_الا أن شخصية الفنان وأسلوبه المميز لم تكن قد اتضحت بعد، بسبب اتجاه الفنان حينذاك إلى تصوير كل ما يراه من حوله في الطبيعة_برغم صغر حجمها المتناهي_كالصورالشخصية والزهور والمناظرالطبيعية والطبيعة الصامتة، فاشتركت جميعها في أسلوب المعالجة التشكيلية، وبالتالي ظهرت هذه اللوحات تحمل طابع المرحلة وليس طابع الفنانين أنفسهم.
من ناحية أخرى نجد أن الفنانين قد نجحوا في اخضاع تلك الخامة الصلبة من خلال اتباع الوسائل التقنية الخاصة، التي تقتضي تحقيق أعلى قيمة تصويرية في لوحات الفسيفساء. وذلك بفضل ورشة الفاتيكان صاحبة الفضل الأول في انجاز هذه الابداعات الفنية الأنيقة والنادرة، التي اتجهت إلى محاكاة التصويروالحصول على آثار خادعة للعين من خلال قطع ذات ألوان مختلفة، كما ساهمت في تطور الأسلوب التقني، والذي يمكن نسبته إلى الفنانين(بيترو باولو كريستوفاري)، (أليسيو ماتيولي) حيث أزاحا العديد من الحواجز التي تمنع الفسيفساء من أن تحقق نفس جودة التصوير».
وقد تبلورت الشخصية الفنية حديثا في لوحات الفسيفساء المعلقة عندما تناول فنانوالفسيفساء مختلف الاتجاهات الفنية المتنوعة بما يتناسب مع أساليبهم الفنية والتقنية متضمنة انتقاء خامات بعينها وتفضيلهم لبعضها عن البعض الآخر، بهدف تطويرهذا النوع الجديد من الفن باضفاء بعض القيم الجمالية وتشجيع الاعتماد عليه بصورة أكبر، ليتحقق له الانتشارالأوسع، رغبة في تأكيد القيم التي تتميز بها هذه اللوحات المعلقة، فبدت السمات الفنية للوحات الفسيفساء المتضمنة لهذه الاتجاهات الحداثية، مجسدة في نماذج متعددة من أعمال الفنانين التي تميزت باتباعهم سمات فنية وتقنية خاصة، تمثلت في السعى نحو تحقيق بعض القيم الجمالية التي تكسب الأعمال الفنية قدراً من التميز، أصبحت هذه القيم هدفاً أساسياً يقوم عليه العمل الفني بأكمله، والتي تفاوت قدرها من فنان إلى آخر وفقاً لأسلوب المعالجة التي تميز طابعه الخاص، وتبعاً لمقدرة الفنان وطاقته الابداعية ومدي تحكمه في وسائطه المتنوعة، كما في لوحات الفسيفساء الخاصة بالفنانات(سونيا كينج) وهي فنانة أميركية، والفنانة البريطانية (جين مور)، وهما تشتركان معا في تناول عناصرالطبيعة وموضوعاتها المختلفة ومعالجتها بأسلوب تجريدي خالص، أما الفنانة(ايلين جودوين) وهي أيضا من أصل بريطاني فتحمل أعمالها التجريدية بعض السمات والمعاني الرمزية، والفنان(فرديانو ماريزي) اتسم أسلوبه بالتعبيرية الجديدة والتي اعتمد فيها على تحقيق التجانس الفني والتقني بين الخامات المتنوعة وتوازن مساحاتها المتباينة وجرأته في تلخيص أشكاله والتعبيرعن حالات خاصة. وبالاعتماد على الابتكارات العلمية الجديدة وتأثيرها في الفن يتسم أسلوب الفنان الايطالي(لوسيوأورسوني) بتضمنه الصياغات الهندسية المميزة للفن البصري باعتماده على انتظام شكل المكعب الواحد وصرامته واستواء سطحه.
كمايتجلي هذا الاتجاه الحداثي وتصوير تقنيات «الحاسب الآلي» في أعمال الفنان(مارسيللو دي ميلو) ذات المعالجة التجريدية المطلقة.
وفيما يمثل ما بعدالحداثة، فقد اتجه بعض الفنانين لاجراء التجارب الفنية التي هي وليدة اللحظة الابداعية لدي الفنان دون احتواء العمل الفني على المضمون أووجود أية فكرة فنية مسبقة، وهو ما يعرف»بفن اللافن» وتتم عملية التنفيذ فيها بصورة مباشرة كأعمال الفنانة الروسية(ايلينا شافير)، التي استخدمت أشكال العناصر الطبيعية نفسها في لوحاتها.
وقد تكشفت جرأة الفنانين التقدميين وحريتهم المطلقة في اختيار الخامات والتصميمات المنفذة بها، بامتداد هذه التطورات الفنية إلى أشكال اللوحات نفسها فلم تتوقف ابداعاتهم عند حد الاطار المنتظم للوحة، ولم يعد الاهتمام قاصراً على تناول اللوحة التقليدية ذات الحواف الهندسية، وانما ظهرت لوحات تميزت بالخطوط الخارجية المنحنية أو المتعرجة تبعاً لتوزيع العناصر الداخلية المصورة، بهدف احداث نوع من التغيرات الشكلية الخارجية، فقد وجدوا في تلك المعالجة مجالاً أرحب لتحقيق التكامل الفني بين الجدار واللوحة المعلقة.
والأسلوب الفني للوحات الفسيفساء المعلقة كأسلوب فني مستقل، بوصفها احدى خامات التصويرالجداري وأكثرها صلابة وتميزا، كان لها أسبقية الظهور منذ العصور الفنية السالفة، متخللاً هذه الفترات الزمنية بصورة متقطعة إلى أن اكتمل الشكل الفني لهذا الأسلوب وتبلور. وهو يشارك بالفعل في الحركة الفنية المعاصرة ويلعب دوراً هاماً في اثرائها وتنميتها، كون هذه الأعمال تحمل في مضمونها نفس القيم الجمالية للوحات الفنية ذات الوسائط التصويرية المتنوعة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

18 + عشرين =