مرض جديد تحمله التقنية العصرية أكثر ضحاياه من الشباب والصغار

الفومو… هستيريا تطارد مدمني التواصل الاجتماعي مرض جديد تحمله التقنية العصرية أكثر ضحاياه من الشباب والصغار

القاهرة- محمد فتحي:

كثيرون أصبحوا يدمنون مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة وتكرار متابعتها ومعرفة آخر ما نشر عليها, لا يعلمون أن لديهم مرضا نفسيا يدعى» الفومو» حيث كشفت دراسة حديثة أن هذا المرض يعني الخوف من أن يفوتك أي شيء أو الخوف من الفقدان , وهو ما يجعل البعض يتابع باستمرار مواقع التواصل والهواتف حتى لا يفوتهم أي شيء يكتب على تلك المواقع، وقد أشارت دراسة أخرى أن هذا المرض له أسبابه وهناك طرق للعلاج منه.. « السياسة» تناقش هذه الدراسات وتحلل الحالة نفسيا واجتماعيا وتستطلع أراء عدد من مدمني مواقع التواصل وتضع طرقا للعلاج من خلال متخصص في التنمية البشرية..
كشفت دراسة أميركية حديثة أن التفكير المستمر بالشبكات الاجتماعية وعدم القدرة على الابتعاد عنها يدل على الإصابة بمرض نفسي وهو» الفومو»، وهو اختصار لجملة» Fear of missing out» وتعني الخوف من فقدان وتفويت شيء، حيث إن هناك 50 في المئة من مستخدمي وسائل الإعلام الاجتماعية لديهم نفس الشعور بالقلق والضغط المتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة، ويتوجب عليهم أخذ قسط من الراحة بعيداً عن «الفيس بوك « و»تويتر» لأن المستخدمين غير قادرين على تحمل أعباء تلك الضغوط النفسية، وقد أصيبوا بمرض الفومو، وتشرح الدراسة الأسباب الرئيسة لتلك المشكلة والتي ترتكز في أمرين هما التحديثات والإشعارات، حيث صار المصابون يشعرون بالقلق لأنهم يخشون فقدان أحد الأحداث المهمة أو تحديث حالات الأصدقاء، بغض النظر عمّا إذا كانت هذه التحديثات تهمهم أم لا، والأمر الآخر ضيق الوقت.
تؤكد الدراسة أن هناك مجهودا يتزايد باستمرار على مستخدمي الإنترنت من شبكات اجتماعية وحسابات البريد الإلكتروني التي يديرونها، كذلك الحفاظ على كلمات المرور المختلفة، ومتابعة الأحداث، والرد على ما يقوله الأصدقاء في جميع الأنشطة، كل ذلك يصيب الجميع بإرهاق وتعب وفقدان للتركيز، فأصبح الاتصال بالواقع الافتراضي أكثر من الواقع الحقيقي، لدرجة أن 25 في المئة من مستخدمي الشبكات الاجتماعية يتحققون من صفحاتهم بمجرد استيقاظهم من النوم.
وتؤكد الدراسة التي أجريت في كلية» بوث» الأميريكية أن إدمان مواقع التواصل الاجتماعي يعد أقوى من إدمان الكحول والمخدرات والتدخين.

فقد الاستمتاع باللحظة
ترتبط بهذه الدراسة دراسة بريطانية أخرى أكدت أن الإنسان العادي يفحص الإشعارات في جهازه يوميا 5427 مرة يوميا بواقع مليوني مرة في السنة، ويقضي من 76 إلى 132 جلسة تصفح يوميا، بمعدل خمس ساعات يوميا، أي ما يعادل ثلث الوقت الذي نقضيه مستيقظين، ما يجعلنا نفقد الاستمتاع باللحظة التي نحن فيها، وتجعلنا نبحث عن التواصل الوهمي مع الآخرين.
ويقول المتخصص في علم النفس أندي برزيبيلسكي : الخوف من فقدان شيء ليس بالأمر الجديد، لكن انتشار المواقع الاجتماعية يمنح فرصة قل نظيرها للتعرف على الحياة التي يعيشها الآخرون، والمشكلة بالنسبة لذوي المستوى المرتفع من «فومو» هو إمكانية أن يصبحوا شديدي الإدمان على رؤية ما يفعله أصدقاؤهم، وهو ما يجعلهم أحيانا يتجاهلون الأمور التي من الممكن أن تجعلهم يستمتعون بوقتهم.
أما عن العلاج فتؤكد الدراسة أن على اسرة المصاب أن تنتبه إليه وأن تحاول جذبه للتعامل معهم بعيدا عن الواقع الافتراضي، ويجب على المصاب أن يبدأ في البحث عن أنشطة تأخذه من مواقع التواصل الاجتماعي، وأن يسأل نفسه ماذا أفعل الآن وما الذي يجب أن أفعله، وأن يكون لديه أهداف يسعى لتحقيقها، ويقترب أكثر من الجو الأسري، وأن يحدد لنفسه موعدا لتصفح مواقع التواصل والهاتف لا يزيد عن دقائق.

فومو الأطفال والمراهقين
الوضع أخطر بالنسبة للأطفال والمراهقين، حيث أشارت دراسة حديثة لمؤسسة» كومون سينس ميديا» المتخصصة في تصنيف المواد الفنية والإعلامية إلى أن 50 في المئة من المراهقين والأطفال يشعرون بإدمان الأجهزة الالكترونية ومواقع التواصل، وأن الهاتف في حد ذاته لا يسبب الإدمان، ولكن الإدمان يأتي من التطبيقات الموجودة على الهاتف وكيفية استخدامها، وأن استخدام الأطفال للهواتف يجب أن يكون تدريجيا.

لا يفوتنا شيء
استطلعنا أراء عدد من الرجال والنساء، يقول أحمد بهاء: أول شيء أقوم به في يومي هو أن أفتح الهاتف لأتصفح مواقع التواصل الاجتماعي وأرى ما الذي فاتني أثناء النوم، وطوال اليوم بنفس الحال، والأزمة في الإشعارات التي تأتيني أثناء عملي، فأقوم بمتابعة كل إشعار فورا، مما يجعلني لا أركز في عملي، والحقيقة أني أتمنى أن أتخلص من هذا الإدمان.
كما يقول هاني عزت: الفكرة في الأمر أني أجد المتعة في متابعة التواصل الاجتماعي والهاتف، فأفعل ذلك أوقات كثيرة على مدار اليوم، ولكني لا أعتقد أن هذا مرض نفسي، فأعتقد أني إذا أردت أن أبتعد عن كل ذلك سأبتعد، ولكني لا أريد ذلك لأني مستمتع بما أقوم به. ويقول محمد شاكر: أشعر بالفعل بأني مدمن مواقع تواصل اجتماعي وخاصة الفيس بوك، ولا أحب أن يفوتني أي شيء، وأحب أن أعلق على أي شيء يكتبه الأصدقاء في وقته، وأنتظر الرد على تعليقي، فهذه المواقع أصبحت جزء من حياتي وأشعر بأني جزء من عائلتي، وأرى أن الحل الوحيد للعلاج هو إلغاء هذه المواقع على الدوام. كما تقول صفاء مصطفى: سمعت كثيرا عن مرض الفومو، وأنه يعني أني لا أطيق أن يفوتني شيء على مواقع التواصل الاجتماعي، وكنت لفترة قريبة بهذا الحال، لدرجة أني أنام والهاتف بجانبي، واستيقظ كل فترة لأتابع الجديد على التواصل الاجتماعي، ولكني شعرت بأن ذلك سيجعلني أنفصل عن العالم، وبدأت أقلل الأوقات التي أتابع فيها الهاتف، ووجدت أن الأمر سهل جدا.
أما أميرة ثابت فتقول: لا أعلم لماذا يرى البعض أن إدمان مواقع التواصل أزمة، فهو أصبح واقع نعيشه، ولا أحب أن أعالج منه، لأني لا أرى فيه مشكلة، فهو في النهاية تواصل مع الآخرين، وأكون على اتصال دائم بأصدقائي، وأناقش أفكاري وأرائي مع الآخرين، ربما لن يعطيني أحد أن أفعل ذلك في الواقع.

خوف وقلق قهري
يقول د. محمد يحيي- أستاذ علم النفس-: هذا المرض ليس جديدا، ولكنه تحوّل إلى ظاهرة في كل العالم مع انتشار التكنولوجيا بشكل أكبر، والاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة في الاتصال بالآخرين، وهذا المرض يعني الرغبة في التواصل خوفا من فوات حدث ما لا يشاركون فيه، مما يسبب قلقا قهريا، وهي حاجة نفسية تؤثر على الصحة النفسية للشخص الذي أدمن مواقع التواصل الاجتماعي، فيختار البعض استخدام التواصل الاجتماعي لتلبية احتياجاتهم، مثل احتياجاتهم للمعلومات أو البقاء على اتصال مع الآخرين، أو الفضول فيما سيفعله الآخرون أو يكتبوه، أو تعويض نفسي عن افتقاد التواصل مع الآخرين في الواقع،
أو البحث عن الاهتمام في عالم افتراضي، ومع الوقت يتحوّل الأمر إلى إدمان وحالة مرضية، تؤدي إلى أمراض أخرى منها الشعور بالخوف، أو فقدان التركيز، والقلق الدائم من أن شيء ما فات الشخص المصاب، وأن هناك شيء مهم يجب متابعته فورا، بالرغم من أنه من الممكن أن يؤجل ذلك لوقت آخر، وبالرغم أيضا من أنه ليس هناك شيء مهم، والعلاج يبدأ أولا بشعور الشخص بأنه مصاب بمرض نفسي، ثم يفكر في التعامل معه، وذلك بدءا من محاولة خلق علاقات اجتماعية حقيقية وليست افتراضية، والتقرب من الأسرة والأصدقاء، والبحث عن أنشطة محببة للشخص، فالعلاج بشكل عام يكمن في الاندماج بالحياة الاجتماعية الحقيقية على أرض الواقع والتقرب من أفراد الأسرة.

حالة اجتماعية
ويقول د. محسن زكريا- أستاذ علم اجتماع بجامعة الزقازيق-: للأسف هذا المرض أصبح حالة اجتماعية نعيشها، بسبب التوسع في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة، وهي متعة زائفة يملأ بها كثيرون أوقات فراغهم، ولكن لم يعد استخدام هذه المواقع وقت الفراغ فقط، ولكن هناك من يستخدمها حتى أثناء الأكل أو العمل، ولكن الاعتماد النفسي على التواصل الافتراضي يؤدي إلى القلق الدائم والخوف من الفقدان، ونتيجة لذلك نجد التأثير السلبي على الصحة النفسية، وقد تؤدي إلى مشاعر الاكتئاب، وعدم القدرة على العمل أو الرغبة فيه، فيجب الشخص نفسه في دائرة من الفشل وضع نفسه فيها، ولذلك على الجميع أن يعلم أن هذه المواقع والتقنيات ما هي إلا دائرة وهمية ليس لها علاقة بالتواصل الاجتماعي الحقيقي.

ملء دائرة الفراغ
يقول خبير التنمية البشرية عماد طلعت: إدمان مواقع التواصل والهواتف المحمولة مثل أي إدمان آخر يحتاج إلى علاج مكثف، فالدراسات تقول إننا إذا استخدمنا مواقع التواصل أكثر من ساعتين نصبح مدمنين، ولكن كثيرين يستخدمون تلك المواقع بشكل أطول من ذلك، وللعلاج من هذه الحالة يجب أن يكون هناك رغبة عند الشخص المصاب، حتى نستطيع تغييره وعلاجه، فالمدخن إذا لم يكن لديه نية للإقلاع عن التدخين فلن يتوقف أبدا، فالبداية تأتي من الرغبة بجانب بعض السلوكيات، مثل أن الشخص إذا كان أول شيء يفعله بعد الاستيقاظ الجري على الهاتف فيجب أن يشعر بأنه يفعل تصرف خطأ، بجانب أن يكون هناك أنشطة أخرى واهتمامات أخرى، فمتابعة مواقع التواصل تعبر عن اهتماماته، ولكن يجب أن ينقل تلك الاهتمامات إلى حياته، ويضع أهداف لنفسه على المستوى الشخصي والمهني، ويخطط لحياته ولكيفية تحقيق الأهداف، فيجب أن يزرع في عقله أفكار وأحاسيس مختلفة عن الواقع الافتراضي الذي يعيشه، فمن يصاب بالفومو يعيش حالة من الفراغ تجعله يتجه إلى إدمان مواقع التواصل، فيجب أن يخرج من دائرة الفراغ التي يعيشها أو أن يملأها بأنشطة، ويكون هناك بدائل لحياته لها أهمية يشعر بها بتطور في ذاته وعمله، ونحاول أن نقنعه بتقليل فترات استخدام الهاتف ومواقع التواصل، لأنه من الصعب الإقلاع فجأة ومرة واحدة، فأي عادة نقلع عنها فجأة نعود إليها مرة أخرى بعد فترة، وعندما يتواجد في المنزل يبعد عنه الهاتف، حتى لا يكون قريب منه ويجعل لديه حافز أن يفتحه ويتابع مواقع التواصل، فيجب أن يبتعد عن المؤثرات التي تجذبه لهذا العالم، وهناك من يدمن مواقع التواصل لأنه ينشر أراء وينتظر عدد الإعجابات والتعليقات حتى يشعر بتقدير الذات، فيجب أن يحاول البحث عن شيء آخر يجد فيه تقدير الذات في الواقع، حتى ولو درس شيء مختلف مثل لغة جديدة، فهناك جانب يسمى الجانب المعرفي السلوكي، فأي تصرف يقوم به الشخص به سلوك وفكر، فلازم نغير الأفكار ونعدل السلوك، ولكن تعديل السلوك بدون تغيير الفكرة التي تسيطر على عقله فلن نغير أي شيء، فيجب على الشخص التفكير في شيء يحقق فيه إنجاز أهم بكثير من انتظار التقدير على مواقع التواصل.