من وحي الناس

القابلة قادمة في الطريق من وحي الناس

خالد عبدالعزيز السعد

كثير من الناس يحيل كل ما يجري في الدول العربية من خراب وعبث وفوضى وارهاب اعمى, وتخلف ودمار الى مفهوم المؤامرة, ويجعلها مشجبا نعلق عليه كل خيباتنا وانكساراتنا وصراعاتنا الاعلامية او بالاسلحة والذخيرة الحية وبعدنا عن العصرنة والحداثة والتنمية وفي المقابل نظرية اخرى سائدة كذلك ولا تقل فسادا وهزالا تستبعد كليا التآمر من قوى الهيمنة والسيطرة اصحاب المصالح كي تضع الاوزار كلها والاثام علينا كمهزومين, وبؤس حالتنا المزرية واذكر انه في العام 2001 اجتمع الوزراء العرب المسؤولون عن شؤون التنمية, والتخطيط وبعد اجتماعات ولقاءات اصدروا بيانا مشتركا لرفعه الى مؤتمر قمة عالمي للتنمية المستدامة كتعبير عن وجهة نظر اولئك المسؤولين بشأن موضوع العمل بخطة التنمية المستدامة, وخلصوا فيه الى ان تحقيق هذه التنمية المستدامة في الوطن العربي تتطلب ان تكون في اثني عشر بندا ومن اهم تلك الاهداف الاساسية والكبرى التي سيعمل اولئك المسؤولون لتحقيقها تتعلق بالحد من انتشار الفقر, وايجاد فرص العمل للشباب العاطل عنه ورفع مستوى التعليم الذي يعاني بؤسا, وحالة متردية, وحل مشكلة الديون وتعزيز التكافل الاجتماعي وبعد مرور ما يقارب الثلاثة عقود وهي فترة طويلة في حياة الامم, فان النتيجة كانت ان الثروة الوطنية في اغلب الدول العربية تركزت في ايدي قلة من الناس, بينما زادت نسبة الفقر لتشمل ثلث سكان الامة العربية مع تقلص الطبقة الوسطى, وزادت نسبة المهاجرين في قوارب الموت الى اوروبا او هجرة الادمغة التي يسعفها تعليمها العالي, فتمتص تلك الدول ليعمل وينتج فيها, اما مستوى التعليم فازداد بؤسا وترديا, وهزالا على امراضه التي يشكو منها وارتفعت نسبة الامية خصوصا في بلدان كانت الامية تفرخ فيها منذ امد طويل كالسودان وليبيا ومصر والعراق واليمن, اما ديون الوطن العربي فحدث ولا حرج ويكفي ان نعرف ان نسبة البطالة وصلت الى حدود كارثية قبل حركات الحريق العربي او بعده خصوصا حين دخل على هذا الخط الجنون الارهابي من قوى الاسلام السياسي, مسوخ تدعي التدين من شتى الاصناف من الاخوان المنافقين وداعش والنصرة وانصار بيت المقدس وغيرها من الاسماء البراقة وما حملوه للأمة وللعالم من شرور محضة وادمان للقتل في زحف بربري وهمجي, بحيث قاءت الارض احشاءها من هذه العدمية والعبثية المجنونة, والخارجة من جدران سجون النفس وظلالها والتوحش المطلق, وانفلاتها نحو التدمير وايذاء البشر, والحجر والتاريخ وكرامة الانسان والمضحك المبكي حين وضع الوزراء بيانهم حول التنمية المستدامة واستقطاب الاستثمارات الاجنبية من اجل التنمية بينما الواقع كان ينبئ بهذا الواقع المقرف والمقزز وكأنهم ارادوا تجبيس العقل بهذه الوصفات واللغة الثرثارة, بينما مواردنا وفوائضنا المالية تذهب الى خارج الوطن العربي لتنعش باريس ولندن, وسويسرا واميركا, لتذبل القاهرة وتونس والسودان واليمن. ويصيبها فقر الدم والهشاشة, اما الحديث عن تيسير انتقال الافراد ورؤوس الأموال فتلك فضيحة ونكتة سمجة, فعند معابر الحدود يجد الانسان العربي كل المهانة والاذلال وسيول الاسئلة, بينما الرعايا الاجانب يحصلون على رخص الدخول في دقائق معدودة, والامر الاشد ألما من ذلك الما هو ان أولئك الوزراء لم يتحدثوا ولو بشكل عابر عن الاساس الذي ينظم ويسهل تحقيق ما جاء في بيانهم وهو تطوير الحياة السياسية والثقافية والفكرية والاعلامية من اجل تفعيل عملية التنمية المستدامة وكي لا يتحول اليأس الى ثقافة باردة وتأقلم سلبي مع هذا الامر العابر, فالتجارب البشرية لا تقبل النسخ وما يحدث الان في الوطن العربي رغم تراجيديته ورغم كل هذا الخراب والنزيف من الخاصرتين دما حارا ومرا ورغم كل هذه الادخنة والغبار فيضة الضوء الباقي لمحاولة الخروج من هذا الدمار والسبات القومي والعربي, لكن المخاض عسير والقابلة التاريخية قادمة في الطريق.
كاتب كويتي