القدس لنا… كما كانت دوما

أحمد غلوم بن علي

أحمد غلوم بن علي

منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي كانت أميركا دوما تفرض نفسها كوسيط عادل بين الأطراف، وعندما كانت مصالح بعض الدول تتداخل بأن تتواجد كوسيط في هذا الصراع كانت الولايات الاميركية المتحدة تقطع الطريق دوما أمام تلك الدول، وأي من الدول الراغبة في زحزحة هذا الملف العربي الاسرائيلي نحو طريق الحل.
فأميركا كانت دوما تعتبر أن لها وكالة حصرية لقضية النزاع العربي الإسرائيلي ( أو كما نعتقد أنه احتلال اسرائيلي لفلسطين)، لهذا كانت تعرض نفسها كوسيط عادل في المحافل الدولية والقمم العربية. لهذا السبب أجلت الإدارات الأميركية المتعاقبة ملف القدس لحين التوصل لحل دائم لقضية الصراع، فالقدس كعاصمة تعتبر من الملفات الشائكة أو أصعب أوراق الصراع وأعقدها، فالكيان الصهيوني يعتبر القدس خطاً أحمر في أية عملية سلام، وفي المقابل يعتبر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم (وليس الفلسطينيين فحسب) أن القدس هي ثاني أقدس أرض اسلامية ولهذا فهي ملك وعاصمة لهم.

اليوم وبعد أن أعلن الرئيس الاميركي أن أميركا تؤمن ( كما كانت دوما) أن القدس عاصمة إسرائيل ( الكيان الصهيوني) فإن مسألة الوسيط (العادل) تلغى تباعا، فلا يمكن من يريد ممارسة الوساطة أن يكون طرفاً في النزاع أو مؤيداً لأحد الأطراف في قضية متنازع عليها، وبهذا تكون الولايات المتحدة في العيون العربية جزءا لا يتجزأ من العدو الإسرائيلي.
إن اعتقاد الولايات المتحدة الأميركية ان قطبيتها العالمية تعتمد بشكل أساسي ووحيد على الاقتصاد الرأسمالي بآاليات منظمة التجارة والبنك والصندوق الدوليين هو اعتقاد خطأ، فمن شرائط هذه القطبية (أو الأحادية) العدالة (النسبية) من جانب وتعامل البلدان معها كونها كذلك، لكن اليوم مع هذا الانحياز الفج والغبي نحو الكيان الاسرائيلي فإن أميركا يجب أن تنزع جلباب الامبراطور وتقف في الصف انتظارا لصعود آخر أو آخرين، وهو أمر ستدركه أميركا لاحقا.
إلى هنا فيما يخص أميركا يكفي لأن الغباء الأميركي لا يمكنه أن يستوعب أكثر من ذلك، وفي المقابل يمكن القول فيما يخص المجتمع العربي الذي عانى كثيرا من الغباء الاميركي وتخلف بعض حكام الداخل، يمكن القول إنه لم تعد هنالك مناطق رمادية يمكن الوقوف عليها، هناك خيارات واضحة، إما استهلاك المجتمع لنفسه في قضايا طائفية وإما التوحد نحو قضية عربية بلون واحد، وإما الركون للقرار الرسمي الداخلي كي يخطو نحو نزع الحقوق في القضية الفلسطينية أو المبادرة المجتمعية لنزعها بيده، وإما التعويل على المكاتب السياسية لحركاتنا وأحزابنا، أو فرض أمر واقع والتحرك نحو خطوات فاعلة لإعادة تصعيد القضية الفلسطينية ونزع الحقوق، وإما الاكتفاء بصور وتبديد مشاعر في وسائل التواصل الاجتماعي أو تجاوزها لفعل حقيقي على أرض الواقع.
خطاب ترامب يعد فصل الخطاب في حقيقة الولايات المتحدة الأميركية، فما كان غير معلن بات معلناً، وأصبح لزاما على السلطة الفلسطينية أن يتنحى رئيسها محمود عباس بعد الخطاب السيئ وإعادة انتخاب رئيس قادر على مواجهة التحديات المستقبلية، وإعلان التلاحم الفلسطيني نحو انتفاضة جديدة مقاومة للعدو الاسرائيلي ومؤيديها.
على قدر استياء مسلمي العالم من سياسة أميركا العدوانية تجاه الدول العربية وقضيتها المركزية، يمكن اعتبار هذه العدوانية فرصة جيدة للمجتمع العربي كي يعاود ضخ الروح في القضية الأم … فلسطين والقدس.

كاتب كويتي