القروض الخارجية ينبغي أن تمنح بقانون

0 102

حسن علي كرم

في بداية الخمسينات من القرن الماضي، عندما بدأ تدفق النفط بكميات تجارية، وشعر الإنكليز، الذين كانوا يتولون حماية الكويت وفقاً لاتفاقية الحماية( يناير 1899) ان الأموال الهائلة التي ستتدفق على الحكومة الكويتية جراء بيع النفط، سوف تفيض عن الحاجة الفعلية للكويت، وان الأموال الفائضة ينبغي ان تستثمر في إنكلترا، ولأن الإنكليز بطبعهم بخلاء، لم يصرفوا جنيهاً واحداً على جميع مستعمراتهم التي كانت تغطي الشمس من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب، لا في التعليم ولا في الصحة، ولا في آي مرفق من مرافق البلاد، الا في ما عدا ما يخدم مصالحهم.
لذلك أشاروا على حكومة الكويت للصرف على الخدمات الصحية والتعليمية والبنى التحتية في الدول الخليجية التي كانت تحت الحماية البريطانية، ولم تتوان الكويت في ذلك شعوراً بأواصر الاخوة التي تربطها بأشقائها الخليجيين، بدءًا من عدن وانتهاءً بالبحرين، من بناء مدارس وجامعات ومستشفيات ومراكز صحية وشوارع ومحطات التلفزة، هذا وانشأت الكويت الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية بغرض تقديم قروض ومساعدات للدول العربية المحتاجة.
منذ ذلك الوقت والى يومنا هذا، لا يزال الصندوق الكويتي يمارس نشاطه في الاقراض الامر الذي غطى القارات الخمس تقريباً، وقد بدأ الصندوق ببضعة ملايين من الدنانير، ووفقا لمسؤولين تناهز موجوداته حالياً المليار دينار، ولا يعتمد على خزينة الدولة، بل يغذي نفسه بنفسه، من خلال الأموال المتراكمة في أرصدته، وبغض النظر اذا كانت فكرة انشاء الصندوق التنموي من بنات افكار الكويتيين او الإنكليز، لكن المهم هو ان الصندوق يمثل ذراعاً تنموية للدولة الكويتية، وادخاراً ليوم ذي مسغبة لا سمح الله.
ولئن بدأ الصندوق نشاطه كوسيلة للمساعدة ورعاية التنمية للبلدان الشقيقة، الا ان الوضع اليوم ليس كالستينات من القرن الماضي التي كانت فيها غالبية البلدان الشقيقة ما بين الفقر المدقع او مكبلة بالاحتلال الاجنبي، وثورات المراهقين، فبعض الدول العربية اليوم باتت أغنى من الكويت من حيث الثراء والاحتياطي والنشاط الاقتصادي.
مثل هذه الدول في تقديرنا لم تعد بحاجة لبضعة ملايين من الصندوق الكويتي، خصوصاً، وهنا الاهم، ان بعض البلدان الشقيقة التي تحصل على قروض من الصندوق لا تلتزم بالسداد وفقاً للمدة المقررة، بل لعل الكثير من تلك الدول يتقاعس او يتهرب من السداد، الامر الذي يسقط القرض جراء التقادم.
فاذا كانت الكويت في ظرف ما بقرتها الحلوب سبيلا لكل من تسول نفسه اخذ قضمة من الكعكة، او رضعة من «ديودها»، لكن بقرتنا يكاد يجف ضرعها وليس مناسبا للمص أو الرضع واللهف، فالكويت اموالها بالكاد باتت تغطي احتياجاتها، وما يحتاجه البيت يحرم على الغرباء.
توظيف الصندوق الكويتي كذراع سياسية للدولة، كان مفهموماً ومقبولاً، الا ان الوضع في تقديري تجاوز المرحلة التي كانت فيها ترشي، او تشتري رضا وسكوت، هذه الدولة او تلك، وكون استمرار الصندوق بنشاطه ليس هنا الخطأ، انما الخطأ التساهل مع المقترضين، وعدم بسط شروطه على المتقاعسين والهاربين، وآكلي القروض برداً وسلاماً من دون ان تكون للصندوق، او للكويت، العصا الغليظة لاسترداد حقوقها.
من هنا ينبغي اعادة النظر بآلية القروض، وذلك باضافة شروط إضافية حمائية تصون حق الكويت في اموالها، وعدم صرف اي قرض الا بقانون، فاموالنا حق لنا، والتساهل و»بعزقتها» بلا رحمة ولا مسؤولية هو بحد ذاته استهبال وحماقة وجهل بما يكنه لنا المستقبل.

صحافي كويتي

You might also like