القضية الجنوبية مفتاح الحل لأزمة اليمن

0

عبدالكريم أحمد سعيد

الأزمة اليمنية لم تكن وليدة الصدفة، بل هي ناتج عن تراكمات وإرث تاريخي ثقيل ملطخ بالدماء والصراعات السياسية والقبلية داخل المجتمع اليمني والجنوبي، أفرزت عن ثقافات مختلفة لا يمكن لها التعايش فيما بينها لأسباب كثيرة، منها العادات والتقاليد المختلفة بين مجتمع أكثر أنفتاحا وتعايشا مع الآخر، بغض النظر عن لونه ودينه، متأثرا بثقافات الشعوب الأخرى وبالأنظمة والقوانين المتحضرة، بحكم موقعه الجغرافي على طريق التجارة الدولية، ونهجه المعتدل (الوسطية في الإسلام). ومجتمع آخر في الشمال أكثر أنغلاقا على نفسه، مقيد بعادات وتقاليد بالية تتحكم بها الأعراف القبلية، يسوده التطرف الديني والتعصب المذهبي، ونفوذ مطلق للقوى التقليدية الفاسدة ( دينية، قبلية وعسكرية) من الصعب أن تتعايش مع الدولة المدنية الحديثة التي ينشدها ويتطلع إليها الجنوبيون. وقد كانت تجربة الوحدة العام 1990 بين الجنوب والشمال خير دليل على ذلك، عندما باءت بالفشل الذريع وتحولت من وحدة طوعية بين حزبين حاكمين إلى وحدة قهرية استبدادية لشعب الجنوب بعد حرب 1994 واحتلال القوات الشمالية للجنوب، والقضاء على كل ملامح الدولة المدنية الجنوبية لطمس تاريخ الجنوب السياسي وهويته الوطنية، ليطغى التخلف والجهل في كل مناطق اليمن.
كما أن ثروات الجنوب الطبيعية والموقع الستراتيجي لعدن على أهم الممرات الدولية جعلا الجنوب محل أطماع دولية وإقليمية ويمنية أيضا على مدى التأريخ القديم والحديث، وما غزو الجنوب العام 2015 من قبل القوات الشمالية العفاشية_ الحوثية المدعومة إيرانيا وتدخل قوات التحالف العربي لوقف هذا العدوان إلا دليلا آخر على ذلك.
لهذا يتطلب من دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة الغوص العميق في جذور الأزمة اليمنية، لحسم الصراع القائم في اليمن بإزالة مسبباته السياسية والإقتصادية والإجتماعية، بعيدا عن المصالح والعواطف القومية والدينية، التي تقف عائقا أمام الحل السياسي العادل. المطلوب اتخاذه اليوم من دون تأخير. والعمل على وضع الحلول السليمة التي تساعد على تحقيق النجاح لإحلال سلام دائم في المنطقة، وذلك وفقا للمعطيات على أرض الواقع بما يلبي تطلعات الشعبين وخياراتهما السياسية، ويعزز العلاقة والثقة المتبادلة بين دول المنطقة، ليسودها الأمن والاستقرار والنمو والتطوركبقية شعوب العالم المتحضر، إذا ما تم وقف الصراعات المذهبية والدينية والحروب الداخلية، ووضع حدا للتطرف والإرهاب الذي أصبح يهدد ليس المنطقة وحدها، بل السلم العالمي والإنسانية جمعا. الأمر الذي يتطلب من المجتمع الدولي دعم كل الجهود التي يبذلها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لنزع فتيل الأزمة اليمنية المعقدة والمركبة، وإحلال سلام عادل يلبي تطلعات ورغبات الشعبين الشقيقين، من خلال حلول عملية تستند إلى قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية ذات الصلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لوضع نهاية أبدية لأزمة اليمن، بفصل الدولتين السابقتين اللتين توحدتا العام 1990، واستبدالهما بأنظمة فيدرالية جديدة داخل كل دولة لمواكبة العصر والمرحلة، ومساعدتهما على إعادة البناء والتعمير والنهوض الاقتصادي والتعايش بين الشعبين الجنوبي والشمالي مع جيرانهما، لاستعادة الثقة وتعزيز العلاقات الأخوية بين الأشقاء، لما من شأنه تحسين مستوى الحياة المعيشية والصحية والتعليمية والخدمية وتطوير الاقتصاد الوطني في الجنوب والشمال، لتصبح الدولتان مهيأتين للدخول في مجلس التعاون الخليجي، لرفده بقوى بشرية واقتصادية إضافية وتقوية مكانة المجلس، ليشكل نواة حقيقية لقيام اتحاد عربي في المستقبل القريب أشبه بالاتحاد الأوربي. حيث ينبغي على الدول العربية التفكير الجاد بهذا المشروع “الاتحاد العربي” إذا ما أرادت ان تتخلص من أزماتها السياسية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة العربية، نتيجة السياسات الخاطئة التي اتبتعها الدول والحكومات العربية لفترة طويلة من الزمن، دفعت شعوبها ثمنا باهظا نتيجة لغفلة من الزمن أصابت بعض القادة العرب، المصابين بمرض العظمة والتمسك بكرسي السلطة، الذي أفقدهم بوصلة التفكير العقلاني الحكيم، ما جعلهم يتخبطون في اتخاذ القرارات المصيرية لشعوبهم، رغم كل ما يمتلكونه من ثروات طبيعية وقدرات بشرية هائلة، إلا أنهم لا يستطيعون تحريك ساكن، والرمال تتحرك من تحت أقدامهم والبراكين تقترب نحو قصورهم، مازالوا مخدرين بين الوهم والخيال رافعين أيديهم للسماء كالعادة.
لقد حان الوقت لمراجعة حقيقية وتقييم موضوعي للوضع العربي بشكل عام، استنادا إلى الحقائق العلمية والتاريخية، والنظرة الثاقبة الواقعية لحركة التطور البشري والمتغيرات الدولية. حيث يتطلب من القيادات العربية اتخاذ قرارات تاريخية شجاعة لاستعادة مجد وكرامة الأمة العربية بين شعوب العالم، من خلال إصلاح النظام التعليمي وتنقيته من أي صلة بالتطرف والإرهاب، ودعم البحث العلمي ورفد مراكزه بالتقنية الحديثة والكادرات المقتدرة، لما يشكله من أهمية لرفع المستوى العلمي المتدني في البلدان العربية مقارنة بالدول المتقدمة ومحيطها الاوروبي تحديدا، لإخراجها من دائرة التخلف الفكري والعلمي.
إن قيام اتحاد عربي أصبح ضرورة ملحة لابد أن تدركها جيدا القيادات العربية، إضافة إلى فصل الدين عن السياسة كما فعل الاوروبيون، لوقف الصراعات الداخلية والحروب التدميرية باسم الدين، لتتمكن الشعوب العربية من اللحاق بركاب التطور العلمي والتكنولوجي كبقية شعوب العالم، مع احترم الديانات وقدسيتها والتعايش مع الشعوب الأخرى، ليتجه الجميع نحو بناء حضارة إنسانية عظيمة، خالية من العنف والتطرف والإرهاب، يسودها التعاون و الحب والوئام، ليعم السلام المنطقة وكل ربوع العالم، ويعيش الناس جمعا بأمن واستقرار ورخاء، بعيدا عن الكراهية والعنصرية والحروب المدمرة للشعوب.
كاتب يمني

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

عشرين − 13 =