من أفضل السلالات العالمية وأغلاها... وله مكانة عالية

القط الفرعوني… حامي المعابد ومؤنس القصور من أفضل السلالات العالمية وأغلاها... وله مكانة عالية

* أوروبا في العصور الوسطى كانت تقتل أصحاب القطط السوداء
* الإنكليز كانوا يحتفلون سنوياً بضرب قط أسود بالسوط حتى الموت
* الإسلام يؤكد أن ليس كل قط أسود يكون جناأو شيطانا

القاهرة- محمود خليل:

استحوذ القط على اهتمامات المصريين القدماء، ترك أثراً كبيراً في ثقافاتهم ووعيهم، لدرجة أنه أصبح عندهم في مرتبة الآلهة، وأسس لنفسه دولة في داخل الوجدان المصري، احتل مكانة كبيرة لدرجة ارتباطه بالعشرات من المعجزات والحكايات الخارقة، رغم هذه العلاقة الوثيقة بين المصريين والقطط، الا أن البعض منهم كرهه إلى درجة المطاردة واللعن.
عن القط في حياة المصريين القدامي والمحدثين، لماذا يتشاءم منه البعض، استخدامه في الأعمال السحرية، صورته لدي الشعوب الشرقية والغربية، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق.
على مر التاريخ، شاب علاقة الانسان بالقطط كحيوانات أليفة، الكثير من الغموض، اذ تناولت الأمثال والأساطير الشعبية القطط، كرمز للغدر والخيانة حيناً، رمز للحب والجمال أحياناً أخرى، كما اختلفت نظرة الثقافات والحضارات لها على مر العصور، اذ اعتبر بعضها القطط رمزاً للقوة والسلطة، رفعها إلى مصاف الآلهة، البعض الآخر اعتبرها رمزاً للشر والبؤس، تسابق في تعذيبها وايذائها. كذلك انتشرت الخرافات والأساطير التي تذكر القطط في الموروث الشعبي العالمي، اعتمدت في غالبها على تفرقة القطط وفقاً لشكلها ولونها، ففي الفولكلور الأيرلندي، تجلب القطط الفضية اللون لصاحبها الحظ الحسن، في الفولكلور الهندي، تبشر القطط الداكنة اللون صاحبها بالذهب، في حين تجلب القطط ذات المخالب المتعددة الحظ الجيد، يعتبر مواء القطة البيضاء على دار الفتاة في الفولكلور الفرنسي، مؤشراً لقرب زواجها، فيما تعد القطة السوداء في بريطانيا، هدية للزواج السعيد، بينما يكون الدوس على ذيل القطة مؤشرا لقرب الزواج، أما في البلاد العربية، فتعتبر القطة السوداء نذير شؤم، يعتقد البعض أنها مسكن للجان والشياطين، في حين تعتبر القطط البيضاء ملائكة، والملونة حيوانات أليفة تعامل بلطف ولين.

حيوان أخلاقي
يذكر الأبشيهي في كتابه «المستطرف من كل فن مستظرف»، كثيرا من القصص التي قيلت عن القطط، بعض الأسماء التي أطلقت عليه، علاقة هذه الأسماء بالأحجار الكريمة، كما تحدث عن أصل وجود القط، كيف خلقه الله سبحانه وتعالى، مبيناً أن هناك نوعين من القطط أحدهما وحشي والآخر أهلي. حيث يقول بأن القط حيوان أخلاقي، من الحيوانات النادرة، التي خصها الله بخصائص لا تتوافر في غيره، اذ لديه القدرة على التعلم السريع، يتقبل اللوم والتأديب، له طبائع الألفة مع الناس، يمنع دخول قط آخر إلى مكان تواجد فيه، يجيد التملق، لذا يتمسح بسيقان أصحابه، مهما بالغوا في ايذائه وتعنيفه، يتميز بصفاء العينين عند اكتمال الهلال، ينقص مع نقصانه.

الشرق والقطة
يذكر التاريخ أن البراهمة كانوا يقدسون القطط، يعتقدون بحلول أرواح البشر فيها، لذلك يقدمونها على سبيل الهدية داخل أقفاص من الذهب للمعابد، كما شاركت قطة سوداء في موكب الاحتفال بتتويج ملك سيام في سنة 1926. ومما جاء في كتب التاريخ الصيني أن القطة «لي شو»، تعد في الصين، آلهة الخصوبة التي تستقبل القرابين في نهاية الحصاد، بينما في الهند القديمة، تعتبر القطة المقدسة «ساست»، آلهة الأمومة، في القرن الأول الميلادي، بينما عُبدت في ايرلندا آلهة ذات رأس قطة، كذلك حظيت في اليابان بمكانة رفيعة، فكانت غالية الثمن، يقتنيها النبلاء فقط، كانت تستخدم في المعابد لحراسة المخطوطات الثمينة، حماية شرانق ديدان الحرير من القوارض.

أوروبا والقطة
واذا كان الشرقيون قد عرفوا بتشاؤمهم من رؤية القطط السوداء، فهم ليسوا وحدهم في هذا الأمر، لأن الغربيين أيضا يتطيرون منها، خصوصا اذا عبرت من أمامهم في الصباح. بل أن أوروبا في العصور الوسطى كانت تقتل أصحاب القطط السوداء لاعتقادهم أنهم يمارسون السحر، بمساعدة الأرواح التي تسكن أجسادها، ودللوا على ذلك بقصة رجل وابنه كانا مسافرين ليلا واعترضهما قط أسود فضرباه بالحجارة وأصيب، جري القط إلى منزل سيدة عجوز، في الصباح وجدا تلك السيدة مصابة بجروح، فاعتقدا أنها ساحرة تتقمص في جسد قطة، فقتلها أهل البلدة. وحتى عهد قريب، كان الإنكليز يحتفلون سنوياً بضرب قط أسود بالسوط حتى الموت، باعتباره رمزا للظلام والحزن، بينما لا يزال الايطاليون والهنغاريون يعتقدون أن القطة التي تقفز فوق أسطح المنازل من الشياطين، أو تتقمصها ما هي الا روح شريرة.
كما يحتفل الفولكلور الايرلندي بقط أسود ضخم يسمي «ايروسكان»، أي ملك القطط، حيث كانوا يعتبرون القطط أكثر الحيوانات حناناً وألفة، لم يكن يقتنيها الا الملوك والأمراء. أما قبائل الفايكنج الإنكليزية فكانوا يحتفلون بالقطة «فرايا»، آلهة الحب والجمال، تحدثوا عنها باعتبارها تمتلك سلطة ونفوذا فوق «العالم التاسع»، يفسر ذلك بعض المؤرخين على أنه اشارة إلى تقمصها للأرواح، أو التسعة أرواح التي تمتلكها.

القط الفرعوني
أما في مصر فيحتل القطط مكانا بارزا في الحياة، بل أنه يتخذ مكانة كبيرة في الأمثال الشعبية، «مثل القطط تأكل وتنكر»، «اللي بيلعب مع القط يتحمل خرابيشه»، «القطة بسبع أرواح»، «القطة ما بتحب غير خناقها»، «ان غاب القط العب يا فأر»، وهذه الأمثال تكشف الصفات التي يعتقدها المصريون في القطط. واذا كانت تلك معتقدات المصريين المحدثين، فان المصادر التاريخية تشير إلى أن القط في مصر القديمة ظهرت أول اشارة له في العام 2100 ق.م، حينما استأنس المصري القديم القط بعد ملاحظته أنه كان يصطاد الفئران التي تدخل صوامع الغلال تأكل منها وتفسدها، لذا رباها في البيوت، عند موتها كان يحنطها مثلما يحنط موتاه.
يقول «هيردوت»، كان المصريون القدماء يربون القطط في البيوت، عند موتها يحلق صاحبها حاجبيه، تعبيرا عن حزنه لموتها، بينما اذا شبت النار في مكان ما، كان الرجال يهرعون لحماية القطط قبل التفكير في اطفاء النار. كما يعد القط الفرعوني من أفضل وأغلي سلالات القطط في العالم، يطلق عليه، الماو المصري، الماو الفرعوني، شكله جميل، ألوانه رائعة «الفضي- البرونزي – الدخاني»، يتميز بأنه حنون جدا، يمتلك ذكاء غير عادي في معاملته مع الانسان، أو غيره من الحيوانات المنزلية، اجتماعي جدا، لا يحب العزلة، يغطي جلده شعر ناعم جدا وقصير، عضلات أقدامه قوية، الخلفية تحتوي على أربعة أصابع، أطول من الأمامية التي تحتوي على خمسة أصابع، يعتبر القط الأسود لديهم رمزا للحماية والتفاؤل، لذا وضعوه في المعابد لحمايتها، تمت تربيته في القصور لمطاردة الفئران.
شهد العام 1890، العثور على مقبرة كبيرة بجهة «بني حسن»، تحتوي على آلاف من جثث القطط المحنطة تحنيطا بالغ الدقة والاحكام، تنم على احترام كبير لها، موضوعة في صفوف منظمة، لكن سكان القرية تشاءموا منها فأحرقوها، بينما كان المصريون القدماء يحكمون بالاعدام على أي شخص يقتل قطة. كذلك اتخذت الأسرة الثانية والعشرين من «تل بسطة»، عاصمة لملكها، اذ كانت تقدم القرابين للالهة «باستت»، ابنة اله الشمس «رع»، طمعاً في نيل رضاها واتقاء غضبها، لأنها كانت تُعتبر آلهة الفرح، الرقص، الموسيقي، الأعياد، الحنان، الوداعة، الخصوبة، الحب، حامية المرأة الحامل، لذا ارتبطت بالمرأة ارتباطاً وثيقاً، فرسموها على هيئة «امرأة لها رأس قطة»، كما صنعوا لها التماثيل على ذات الهيئة.
والمتأمل لجدران المعابد يكتشف شيوع استعمال صور القطط في زخرفة جدران المعابد، المقابر، المصاطب، نحتت لها تماثيل بمعبد «القطة» في مدينة «بوباسطة أو تل بسطة»، تجسدها في صورة امرأة لها رأس قطة أليفة، أثناء ارضاع صغارها، أو أثناء جلوسها على عرشها متحلية بالجواهر. كما اتصفت بالغضب والافتراس، لذلك رسمت برأس لبؤة، تمثل الغضب، كذلك كانت توجد الكثير من التعاويذ التي تحفظ صاحبها من غضبها بعد الموت، اذ يذكر «كتاب الموتي» تعويذة كانت تتلى أول كل شهر قمري، تشير إلى أن من يعرف هذا الفصل من الكتاب سيكون روحاً ممتازة في عالم الآخرة.

إيذاء القط
بلغ حرص الناس على عدم ايذاء القط حداً اكتسب فعالياته من الاعتقاد بأن القط ربما يكون ملاكاً أو متجسداً فيه، لذا يجب عدم ايذائه لئلا يحل بمن آذاه غضب من الله، أما اذا كان من الجان فان من يتعرض له بأذي يصبح هدفاً فيما بعد للانتقام منه. وفي هذا الصدد نشرت جريدة «أخبار الحوادث» المصرية، قصة عن التوأمين، «وليد ومحمد»، من مدينة السويس، اذ فوجئ والدهما، الموظف باحدي شركات البترول، أنهما يخبران والدتهما بأنواع الطعام التي اشتراها والدهما، حينما تكرر الأمر سألهما عن كيفية معرفتهما بذلك، فأخبراه أنهما عندما ينامان يشاهدان كل شيء لأن روحيهما تسكنان أجساد القطط أثناء نومهما، لذلك طالب أهالي الحي بعدم ايذاء القطط كيلا يكونا روحا توأميه تجسدتا فيها.
ولم ينكر الإسلام ارتباط القطط بالجن حيث هناك أحاديث نبوية وفتاوى صادرة عن علماء دين، تؤكد أن للجن القدرة على التشكل بأشكال الانسان والحيوان، فقد يتشكل الجن على صورة القط الأسود وغيره، لكن الغالب أن الشياطين الذين هم مردة الجن هم الذين يتشكلون على صورة القط الأسود، لا الجن المسلم الصالح ؛ لأن السواد أجمع للقوي الشيطانية. وقال ابن تيمية رحمه الله « الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَيْطَانُ الْكِلَابِ، وَالْجِنُّ تَتَصَوَّرُ بِصُورَتِهِ كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ صُورَةُ الْقِطِّ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّ السَّوَادَ أَجْمَعُ لِلْقُوَي الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِ وَفِيهِ قُوَّةُ الْحَرَارَةِ «. ولكن ليس كل قط أسود يكون جنا، أو شيطانا، والأصل شمول قوله صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الهرة: « اِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ اِنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ «رواه أهل السنن، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» وغيره. الأصل شموله كل القطط، سواء كانت سوداء أو بيضاء أو رمادية أو غير ذلك من الألوان. وقد ورد أيضا أنه يمكن معرفة اذا كان القط حيوانا أو شيطانا أو روحا متلبسة، اذا قرأ الشخص هذا الدعاء عند رؤية القط الأسود أو بأي لون آخر، «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة»، كما يتلو المعوذتين أيضا، اذا اختفي القط أو ابتعد كان دليلا على انه روح متجسدة أو شريرة، ان بقي مكانه ولم يخف كان حيوانا.