القلب آلة تدبر وفهم وتعقل وحب القرآن مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن 25

0

القاهرة: محمد إسماعيل
يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.
يقول الدكتور خالد بن عبد الكريم اللاحم في كتاب “مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة”: من المعلوم أن القلب إذا أحب شيئا تعلق به، واشتاق إليه، وشغف به، وانقطع عما سواه، والقلب إذا أحب القرآن تلذذ بقراءته، واجتمع على فهمه ووعيه فيحصل بذلك التدبر المكين، والفهم العميق، وبالعكس إذا لم يوجد الحب فإن إقبال القلب على القرآن يكون صعبا، وانقياده إليه يكون شاقا لا يحصل إلا بمجاهدة ومغالبة، وعليه فتحصيل حب القرآن من أنفع الأسباب لحصول أقوى وأعلى مستويات التدبر.
والقلب بيد الله وحده لا شريك له، يفتحه متى شاء ويغلقه متى شاء، بحكمته وعلمه سبحانه، قال الله تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)، (سورة الأنفال الآية: 24)، وقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى? قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ)، (سورة الكهف الآية: 57)، وقال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ)، (سورة الأعراف الآية: 164)، وقد جعل لذلك أسبابا ووسائل، من سلكها وفق، ومن تخلف عنها خذل ويأتي على رأسها حب القرآن. فتذكر وأنت تحاول فهم القرآن أن القلوب بيد الله تعالى، وأن الله يحول بين المرء وقلبه، فليست العبرة بالطريقة والكيفية؛ بل الفتح من الله وحده، وما يحصل لك من التدبر فهو نعمة عظيمة من الله تعالى تستوجب الشكر لا الفخر، فمتى أعطاك الله فهم القرآن، وفتح لك معانيه، فاحمد الله تعالى واسأله المزيد، وانسب هذه النعمة إليه وحده، واعترف بها ظاهرا وباطنا.
ويذكر الدكتور عبد الواسع محمد غالب في كتابه «تدبر القرآن الكريم مفهومه وأهميته ووسائله وثماره» أن القلب هو آلة فهم وتدبر وتعقل وحب القرآن وقد دل على ذلك نصوص كثيرة، الآيات القرآنية منها تزيد على مائة آية، منها قول الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ)، (سورة الكهف الآية: 57)، وقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، (سورة الحـج الآية: 46)، وقوله تعالى: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)، (سورة الأحزاب الآية: 4).
وحب القلب للقرآن له علامات منها: الفرح بلقائه، والجلوس معه أوقاتا طويلة دون ملل، والشوق إليه متى بعد العهد عنه وحال دون ذلك بعض الموانع، وتمني لقائه والتطلع إليه ومحاولة إزالة العقبات التي تحول دونه، إضافة الي كثرة مشاورته والثقة بتوجيهاته والرجوع إليه فيما يشكل من أمور الحياة صغيرها وكبيرها، علاوة علي طاعته، أمرا ونهيا. وهذه أهم علامات حب القرآن وصحبته، فمتى وُجدت فإن الحب موجود، ومتى تخلفت فحب القرآن مفقود، ومتى تخلف شئ منها نقص حب القرآن بقدر ذلك التخلف.
التوكل على الله
ويؤكد الدكتور خالد بن عثمان السبت في كتاب “الخلاصة في تدبر القرآن الكريم”، علي أنه من أفضل الوسائل المعينة علي حب القرآن وتدبره التوكل على الله تعالى والاستعانة به، وسؤاله سبحانه أن يرزقك (حب القرآن)، ومن ذلك الدعاء العظيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحا قالوا يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات قال أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن”.
ومن الاستعانة بالله في حصول تدبر القرآن ما شرع لقارئ القرآن من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، والبسملة في أوائل السور ففيها طلب العون من الله تعالى على تدبر القرآن عامة والسورة التي يريد قراءتها خاصة.
إن القرآن كتاب من ينجح فيه يمنح ملكا لا حدود له، وإن الكثير من المسلمين تعظيمه للقرآن تعظيم مجمل، فحد علمهم: أنه كتاب منزل من عند الله، تعبَّدنا بتلاوته في الصلاة، ونقرأه على المرضى للشفاء، أما العلم التفصيلي بعظمة القرآن ومكانته وما يحققه من نجاح للإنسان في هذه الحياة فهو محل جهل عند الكثيرين.
وأضرب لذلك مثالا: لما تسمع عن شخص عظيم له أثر في التاريخ يتكون لديك صورة إجمالية عنه، ويصبح له مكانة في نفسك، وعندما تقرأ كتابا من 600 صفحة عن بطولاته وتضحياته وقصص كرمه وبره للناس، وما حققه من إنجازات، وما قام به من مرؤات، تعيش مع هذا الكتاب مدة شهر حرفا حرفا فبكل تأكيد أن صورة هذا القائد أو المصلح ستزداد عمقا، ويزداد حبك وتعظيمك له، وهذا التأثر أمر مشاهد لا يمكن لأحد إنكاره، فلم لا نوظفه لزيادة حبنا وتعظيمنا للقرآن الكريم وتعلقنا به، فإذا فعلنا ذلك فإن هذا الكتاب العظيم سيزيد حبنا وتعظيمنا لله عز وجل، وبهذا نصل إلى مرتبة ودرجة أولياء الله المتقين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يخزنون، الذين لو أقسم الواحد منهم على الله لأبره، وحقق له أمنيته.
إن إغلاق عقولنا عن تدبر القرآن بحجة عدم معرفة تفسيره، والاكتفاء بقراءة ألفاظه مدخل من مداخل الشيطان على العبد ليصرفه عن الاهتداء به. وإذا سلمنا بهذه الحجة فإن العقل والمنطق والحزم والحكمة أنك إذا أشكل عليك معنى آية أن تبادر وتسارع للبحث عن معناها والمراد بها لا أن تغلق عقلك فتقرأ دون تدبر أو تترك القراءة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ستة عشر + تسعة عشر =