ظاهرة حيرت أطباء الصدر والدماغ ولم يجدوا لها تفسيراً

القلب المزروع… حارس أمين لمشاعر صاحبه القديم ظاهرة حيرت أطباء الصدر والدماغ ولم يجدوا لها تفسيراً

القاهرة- محمود عطوان:
ظاهرة غريبة أذهلت العالم وأثبتت أن زراعة الاعضاء لا تقتصر فقط على نقل عضو من شخص إلى آخر، انما تشمل أيضا نقل جوانب من الذكريات والعواطف والطباع، فيصبح المتلقي شخصا جديدا يشبه ذاك الذي نقل منه العضو ، فقد أظهرت دراسة أميركية حديثة أن القلب به خلايا عصبية تشبه تماماُ نظائرها في الدماغ وذلك على عكس ما يعرف عن دوره في ضخ الدم إلى الرئتين لتقنيته ثم اعادة ضخه مرة لمختلف أعضاء الجسم ، وأثبتت الدراسة التي أجراها فريق بحثي بالتعاون بين جامعة بيل الأميركية ومعهد هارتمان بولاية كاليفورنيا ، أن القلب جهاز فائق التعقيد يوجد به جهاز عصبي يشابه الدماغ تماما له ذاكرة قصيرة وطويلة الأمد تحمل معها ذكريات وعوطف ومواهب ومشاعر وهوايات وتفصيلات الشخص المنقول منه القلب إلى الإنسان الآخر تم نقل القلب إليه وهي صفات تبدو غريبة تماماً عن صفات الإنسان الذي تم زرع القلب له ، الأمر الذي أذهل أطباء العالم وجراحي المخ والقلب .
للتعرف على مزيد من التفاصيل حول ما جاء بالدراسة كان لـ «السياسة» هذا التحقيق:
يقول الدكتور حمدي بحيري استشاري جراحة المخ والأعصاب: لا خلافاً علمي على أن الدماغ يحتوي على مراكز الاحساس والعواطف والمشاعر ، وكلها تعمل بشكل دقيق ومعقد للغاية ، فمخ الإنسان يتراوح وزنه ما بين 1400 ، 1600 غرام يحتوي على 100 مليار خلية يتم التواصل بينها باشارات لاسلكية في غاية الدقة ، وهذه الخلايا تنقسم إلى مجموعات تضم كل مجموعة منها ملايين الخلايا بها دوائر مغلقة داخلها دوائر أخرى صغيرة كل جزء بها مسؤول عن منطقة محددة في الجسم .
ويعتبر الدماغ المركز والمحرك الأساسي للجهاز الانفعالي الذي يرتبط بالغدة النخامية وبقشرة الدماغ ، وحينما يرى الانسان أو يشم مثلا تنتقل هذه الأحاسيس إلى الجهاز الانفعالي من قلب وجهاز تنفسي عن طريق القشرة الدماغية ، وفي مرحلة الرغبة في الحب والرومانسية فان المخ يطلق عند كلا الحبيبين بعض المواد الكيميائية التي تنشط مركز المتعة في الدماغ ومنها مادة «الدوبامين»و»الفيرومونات».
وبخصوص موضوع الدراسة التي تقول إن القلب مستودع المشاعر فهي تحتاج لمزيد من البحث والتحليل لآن الخلاف هنا سيكون في تفسير التغيرات التي ستحدث في مشاعر صاحب القلب المزروع ، ولو ربطنا بين ما قاله أطباء وجراحو القلب من أن القلب المزروع يكون من دون جهاز عصبي خاص به وبين جزئية المراكز المسؤولة عن المشاعر في المخ لتوصلنا إلى أن التغيرات في المشاعر واردة لكن الخلاف سيكون في طريقة تحليل وتناول هذه التغيرات والتي اعتقد أنها ترجع لحدوث خلل ما في مراكز المشاعر لعدم وجود جهاز عصبي بالقلب المزروع الأمر الذي يعني عدم وجود آلية تواصل مباشرة بين مراكز المشاعر واحدى مناطق القلب التي تترجم هذه المشاعر.
تغيرات متفاوتة
يؤكد الدكتور هاني عبد الرازق استاذ أمراض القلب حدوث بعض التغيرات والاضطرابات في المشاعر وعدم التركيز للمريض الذي يتم نقل قلب جديد له لأن القلب المزروع يكون من دون جهازه العصبي ويكون الاتصال بينه وبين الجهاز العصبي الرئيس غير مباشر لانه في هذه الحالة يعمل من الناحية العصبية بنصف دائرة ، وقد تؤدي هذه العملية لفقد جزء من الذاكرة نتيجة لحدوث خلل ما في الجهاز العصبي أثناء اجراء العملية أو لوجود المريض لفترة طويلة على جهاز القلب المفتوح أو نتيجة لكل هذه التغيرات.
وبالنسبة للدراسة التي تقول: أن التغير الذي يحدث لمشاعر المريض يرجع للقلب فهذا أمر لا اصدقه رغم انه بالفعل قد تحدث بعض التغيرات في مشاعر الشخص المنقول له القلب ولكنها ليست بالدرجة التي قد تعبر عن مشاعر صاحب القلب القديم، فضلا عن انه لم يتم اثبات ذلك علمياً ، وطبقا لهذه الدراسة لو نقلنا قلب رجل يهودي لأي شخص عربي فهل يكره هذا العربي العرب أنفسهم لانه يحمل بداخله قلب انسان يهودي؟ إنه أمر لا يمكن تصديقه فالتغيرات قد تحدث لكن ليست بالصورة التي قد يتصورها البعض ، لأن الذاكرة المخية له كما هي والتي قد تتأثر هي الأخرى بحدوث أي خلل في الجهاز العصبي ، وعند حدوث أي عنصر اثارة للجهاز العصبي نجد أن سرعة نبضات القلب سرعان ما تزيد جراء افراز هرمون الادرينالين وذلك لآن القلب مرآة للمخ.
أبحاث مشتركة
يقول الدكتور نزيه ابوبكر استشاري أمراض القلب والصدر: لم يتمكن العلماء حتى الآن من كشف جميع الأسرار المتعلقة بالقلب ولم يتم اثبات أن القلب ليس له علاقة بالعواطف ، فهو يتصل بالدماغ من خلال شبكة عصبية معقدة وله نظام خاص في التعامل مع المعلومات الواردة اليه من مختلف أجزاء الجسم ومعالجتها ، كما الأبحاث والدراسات العلمية لم تثبت وجود خلايا الذاكرة في عضلة القلب لتعمل ما يفعله الدماغ.
ومع تزايد عمليات زراعة القلب وتطورها بين الحين والآخر بدأ الباحثون يلاحظون حدوث بعض التغيرات على الحالة النفسية للمريض الذي يتم عملية زرع قلب له وفي بعض الحالات تحدث تغيرات جذرية في المعتقدات والأفكار والمشاعر وبدأ الباحثون في عمل الكثير من التجارب والأبحاث حول هذه الظاهرة ولكنهم لم يجدوا لها تفسيراً واضحاً حتى الآن.
وقد أثبت الدكتور غاري شوارتز من خلال أبحاثه في جامعة اريزونا بأنه أجرى أبحاث على «70» شخص تم زراعة أعضاء لهم وركز على اللذين تمت زراعة قلب لهم ، ووجد بأن لديهم صفات تشبه صفات المتبرعين لهم ، وهذه الصفات انعكست على سلوكياتهم الحياتية بشكل واضح بعد نجاح العملية ، ووفقاً لذلك تم الاستنتاج بأن التفكير والاحساس لا يوجد في العقل فقط بل في القلب أيضاً ومن المحتمل أن تكون تلك الصفات الوراثية وغيرها قد تم تخزينها في خلايا عصبية لا توجد في الدماغ فقط بل في القلب أيضاً ، وهذا ما يؤكد ما نتداوله دائماً عندما نقول بالعامية «قلبي حاسس». كذلك نلاحظ أن مريض القلب يتناول كميات كبيرة من العقاقير التي تساعد على اتمام عملية الزرع ، بالاضافة لجرعات عالية من البنج وكلها كفيلة بأن تؤثر على الحالة النفسية للمريض بعد العملية ، فضلا عن حالة المعاناة والالام الشديدة التي عاني منها المريض قبل اجراء تلك العملية تدفعه بعد نجاحها للتفاؤل وتغيير نظرته للحياة.ورغم ذلك ما زلنا في حاجة لمزيد من الدراسات والأبحاث المشتركة بين أطباء القلب وعلم النفس بالاضافة الى العلماء المتخصصين في أبحاث الـ DNAللوقوف على حقيقة التغيرات والظواهر الغريبة التي تحدث للمريض بعد عملية القلب المزروع .
تأهيل نفسي
يقول الاختصاصي النفسي محمد عنتر إن المنقول له القلب تحدث له بعض التغيرات في المشاعر والاحاسيس لكنها تكون تغيرات وجدانية ترجع لمراكز في الدماغ وليس القلب، واذا أردنا أن نقف على أسباب هذه التغيرات من وجهة نظر الطب النفسي نجد أنها تحدث نتيجة عوامل عدة أولها حاجة مريض القلب قبل اجراء عملية الزرع للبقاء في المستشفى لفترات طويلة يزيد من معاناته النفسية ، ثانيا قلة تفاعل مريض القلب مع المجتمع بحكم مرضه يشعره بالعزلة والوحدة وعدم القدرة على التكيف مع المحيطين الأمر الذي يشعره بالغربه ، ثالثاً قد يحدث قصور في الدورة الدموية لدماغ المريض يؤثر سلباً على مراكز الاحساس والعاطفة وذلك نتيجة لتعرضه للتخدير لفترات طويلة أثناء اجراء العملية ، وحتى بعد نجاح العملية نجد أن مثل هؤلاء المرضى يحتاجون إلى اعادة تأهيلهم نفسياً حتى يمكنهم ممارسة حياتهم بشكل طبيعي لانه قد يشعر المريض أن هذا القلب غريب عليه ويكون في حالة توجس وخوف اعتقادا منه بتغير عواطفه ، فهذا التغير نفسي ولا علاقة للقلب به.
ارتباط الدماغ بالقلب
يقول المفكر الاسلامي عبدالله بدوي: حدثنا القرآن الكريم منذ 14 قرناً في كثير من آياته أن القلب هو وسيلة التفقه والفهم والذاكرة عندما قال: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا) [الأعراف: 179] ،وقد أثبتها الباحثون منذ سنوات قريبة عندما توصلوا إلى أن القلب هو الذي يوجه الدماغ في عمله ويؤثر على نشاطه الكهربائي نظرا للعلاقة القوية التي لاحظها الباحثون بين ما يفهمه الإنسان ويشعر له وبين معدل ضربات القلب وضغط الدم والتنفس وبالتالي فالقلب له دور هام في فهم العالم من حولنا ، بل ان كل خلية من خلايا القلب لها ذاكرة.
وفي ظل الاعتقاد السائد حتى اليوم بأن القلب مجرد مضخة تدفع الدم الفاسد إلى الرئتين لتنقيته، وتتلقى الدم المؤكسد منهما لتضخه إلى مختلف أعضاء الجسم وأولها الدماغ نجد أن القرآن الكريم أكد منذ 1400سنة أن للقلب وظائف أخرى منها أنه هو محل الإيمان أو الكفر ومكان الاطمئنان والأمن أو الانزعاج والخوف والرعب وهو الذي يكسب الأعمال خيرها وشرها ، وهو محل الشهادة أو إنكارها ومحل الخير أو الإثم، ومحل الهداية أو الزيغ، وهو محل التعقل ووزن الأمور أو تضييعها، وهو سبب الانفتاح على أي من الخير أو الشر أو الانغلاق على أي منهما، ومحل المحبة والرحمة والرأفة، أو الكراهية والغل والقسوة، ومحل الهداية والضلال.كما أثبتت الدراسات الحديثة أن القلب من الأعضاء الحيوية والفعالة في جسم الإنسان، ويتواصل بشكل دائم مع مخه عبر 40 ألف خلية عصبية, فالقلب يتواصل مع الدماغ ويرتب معه جميع أنشطته.