القمة الخليجية 38… وإيران

حمد أحمد عبدالعزيز العامر

حمد أحمد عبدالعزيز العامر

منذ انهيار حكم الشاه محمد رضا بهلوي بنجاح الثورة الخمينية (1979م)، وتحوّل إيران من الحكم الملكي إلى الحكم الجمهوري الإسلامي، الذي فرضَ مبدأ القوة في المنطقة بتمسّكه بالسيطرة على الجزر الإماراتية الثلاث التي احتلها الشاهنشاه فور الانسحاب البريطاني من شرق السويس في (1971م)، وإنشاء (الدولة الإسلامية الشيعية الكبرى) باعتماد مبدأ تصدير الثورة الإيرانية، حسبما أعلنها المرشد الأعلى آية الله الخميني, والعمل على نشر عقيدتها ومذهبها بخَلق فوضى داخلية في المجتمعات العربية تقوم على تأجيج الطائفية والخلافات القبلية ودعم الأقليات الشيعية فيها، بدأت حالة الترقب والتوجس في الإمارات العربية الصغيرة الواقعة على الشواطئ الجنوبية للخليج العربي في ظل تلك التهديدات على كياناتها واستقلالها..
وطوال مسيرة (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) التي انطلقت منذ (25 مايو 1981م) ظل بند (العلاقات الخليجية الإيرانية) بنداً سرياً ثابتاً على جداول أعمال القمم الخليجية واجتماعات وزراء خارجية دول المجلس، يتضمَّن مناقشة القرارات التي تؤطّر الحد الأدنى المقبول للعلاقات مع إيران وكيفية التعامل معها، إلا أن تلك القرارات ظلَّت حبراً على ورق بسبب العلاقات الثنائية الخاصة التي تربط بعض دول المجلس بالنظام الإيراني، ما أوجد حالة عدم ثقة بين الدول الأعضاء أنفسهم عند مناقشة السياسة الإيرانية التي تشكل تهديداً خطيراً على أمن واستقرار المنطقة، خصوصاً أنها تقدم الدعم المالي واللوجستي والسياسي الواضح للمواطنين الشيعة في مختلف الدول، وتفتح معسكراتها لتدريب الإرهابيين على حمل السلاح، واستخدام وصنع القنابل والمتفجرات للقيام بأعمال إرهابية في دول ومواقع مختلفة، وتنفّذ عمليات ضخمة لتهريب الأسلحة والمتفجرات إلى دول خليجية كالسعودية والبحرين والكويت.
لذلك، فإن التهديدات الإيرانية المباشرة التي يترجمها واقع الأحداث، والتصريحات المتعددة والمتواصلة التي تطلقها القيادات الدينية والسياسية والعسكرية والبرلمانية الإيرانية، تجعل من الأهمية بمكان تبنّي القمة الخليجية الثامنة والثلاثين لرؤية موحَّدة تحدد الحد الأدنى للعلاقات الخليجية الإيرانية، خصوصاً في ظل التمدّد الإيراني غير المسبوق في الدول العربية كالعراق ولبنان وسوريا واليمن.
ومن واقع خبرتي السياسية والديبلوماسية الغزيرة في التعامل مع هذا الملف الخطير أضع بعض الأفكار التي تصبّ في إطار الوقوف أمام التهديدات الإيرانية المتجددة:
أولاً: إعداد ستراتيجية خليجية مشتركة حول المخاطر والتهديدات الإيرانية المؤثرة على استقرار دول المجلس وسيادتها، بحيث تكون شاملة وجديّة وقابلة للتنفيذ، مع الاتفاق على الحد الأدنى بين دول المجلس حول مصالحها العليا التي تسعى إلى تحقيقها والدفاع عنها، خصوصاً في ظل تداعيات الأزمة القطرية التي كشفت ضعف الموقف الخليجي تجاه إيران، والذي لم يكن سوى حبر على ورق نهايته رفوف الأمانة العامة لمجلس التعاون.

ومن الضروري أن تقوم تلك الستراتيجية الخليجية على أُسس ومرتكزات واضحة هي:
المحافظة على المجتمع الخليجي وانتمائه العربي وثقافته وولائه الوطني وحماية عاداته ومواريثه..
التأكيد على عروبة الخليج في التبادلات الثقافية والتجارية مع العالم.
إبعاد الخليج عن الطائفية التي تسعى إيران لزرعها فيه.
وضع مشاريع إعلامية مشتركة تؤصِّل في المجتمع العربي تلك الأسس والمرتكزات المهمة.
في الإطار السياسي والديبلوماسي: الاتفاق على موقف خليجي موحَّد تجاه إيران تلتزم به جميع الأطراف في كل المحافل الإقليمية والدولية وغير مقبول تجاوزه إطلاقاً، ويقوم هذا الموقف على مبادئ حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم استخدام القوة لفض النزاعات.
في الإطار الاقتصادي: وضع خطة اقتصادية لدمج المصالح المشتركة التي تفتح الطريق نحو قيام علاقات واضحة جداً وذات طبيعة خاصة مع إيران، تساعد على زيادة التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات وتبادل زيارات رجال الأعمال، ليتمّ بعد ذلك مراجعة وتقييم هذه الخطة ومدى تحقيقها للأهداف المرجوة منها بعيداً عن التسييس أو المؤثرات الدينية.
إن إعداد مثل هذه الستراتيجية سيكون مفيداً على المدى البعيد، فالعلاقات الخليجية مع إيران تتسم بالعدائية والأطماع التاريخية التوسعية والتدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس، والتي انعكست في الكثير من التصرفات العدائية كاقتحام وحرق مبنى السفارة والقنصلية السعودية في طهران في (يناير 2016م)، وتهريب الأسلحة إلى دولة الكويت فيما يُعرف بـ (خلية العبدلي)، وما يتم الكشف عنه باستمرار من عمليات تهريب كميات من كبيرة من الأسلحة والمتفجرات من الأراضي الإيرانية إلى مملكة البحرين وتدريب الإرهابيين على ارتكاب أعمال العنف وقتل الشرطة، ودعمها السافر للحوثيين في اليمن، واحتلالها للجزر الإماراتية الثلاث، رغم كل محاولات التقرب والتوجه الصادق من دول مجلس التعاون لإقامة علاقات صداقة قائمة على حُسن الجوار.
ثانياً: الملف النووي الإيراني: وهو من الملفات المهمة والخطيرة التي تتطلَّب من قادة دول المجلس البحث الجاد للخروج برؤية خليجية مشتركة بالتنسيق مع الإدارة الأميركية حول انتهاكات إيران للاتفاق الموقَّع مع مجموعة (5+1) في (يوليو 2015م)، واستمرارها في برنامج تسليحها النووي وإجراء التجارب على إنتاج صواريخ عابرة للقارات، وهو ما يعني مضيّ إيران في برنامجها المثير للجدل بتخصيب اليورانيوم الذي سوف يمكّنها من استئناف نشاطها الكامل لدخول النادي النووي بعد خمسة عشر عاماً ويحقق لها اعترافاً دولياً بولاية الفقيه الذي تسعى لتثبيته كنظام سياسي ديني مُعترف به عالمياً، ولما لهذا الأمر من تأثير كبير على أمن واستقرار المنطقة، خصوصاً بعد أن ضمنت إيران استعادة أكثر من (100 مليار دولار) هي حصيلة أرصدتها المجمَّدة في الخارج، وبعد أن أحكمت سيطرتها على العراق وجنوب لبنان، وأصبحت أحد مفاتيح الحل في سورية واليمن، ولها دور فاعل في زعزعة أمن واستقرار البحرين والسعودية والكويت وقتما تشاء.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون