الكذب حكايات عربية للعبرة والتسلية 14

0 6

القاهرة – مختار عبد الحميد:
جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيل من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواءً في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكاً بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تزخر بها كتب السيرة وتاريخ الأمم مما نقلوه من الاجداد.

الكذب من قبائح الذنوب ، وفواحش العيوب . قال الله تعالى في الكاذبين: «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» ( البقرة:الآية10) وقال تعالى: «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّة» ( الزمر :الآية60) ، و عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا . وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكَذِبِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَذِبَةَ ، فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً) رواه أحمد في «المسند».
وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كذب العبد كذبة تباعد الملكان عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به» . ويقال: راوي الكذب أحد الكذابين. ويقال: رأس المآثم الكذب وعمود الكذب البهتان «4» . وقيل: أمران لا ينفكان من الكذب، كثرة المواعيد، وشدة الاعتذار.
وقال الحسن في قوله تعالى: «وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» (الأنبياء الآية18) وهي لكل واصف كذب إلى يوم القيامة. وقال الأصمعي: قلت لكذاب أصدقت قط؟ قال: لولا أني أخاف أصدق في هذا لقلت لك لا، فتعجب.
وقال محمود بن أبي الجنود:
لي حيلة فيمن ينمّ … وليس في الكذّاب حيلة
من كان يخلق ما يقول … فحيلتي فيه قليلة
ويقال: فلان أكذب من لمعان السراب، وكان بفارس محتسب يعرف بجراب الكذب، وكان يقول: إن منعت الكذب انشقت مرارتي، وإني والله لأجد به مع ما يلحقني من عاره من المسرة ما لا أجده بالصدق مع ما ينالني من نفعه.وعن عبد الله بن السدي قال: قلت لابن المبارك حدثنا حديثا، قال: ارجعوا، فلست أحدثكم، فقيل له: إنك لم تحلف، فقال: لو حلفت لكفّرت وحدثتكم، ولكن لست أكذب، فكان هذا أحب إلينا من الحديث.
وقال مجاهد: يكتب على ابن آدم كل شيء حتى أنينه في سقمه، وحتى أن الصبي ليبكي، فتقول له أمه: أسكت وأشتري لك كذا، ثم لا تفعل، فتكتب كذبة.
وقال الفضيل: ما من مضغة ( قطعة أو غيره تمضغ) أحب إلى الله تعالى من اللسان إذا كان صدوقا، ولا مضغة أبغض إلى الله تعالى من اللسان إذا كان كذوبا. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «أعظم الخطايا اللسان الكذوب» .
قال الشاعر:
لا يكذب المرء إلّا من مهانته
أو فعله السوء أو من قلّة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة
من كذبة المرء في جد وفي لعب
ولما نصب معاوية رضي الله تعالى عنه ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء وجعل الناس يسلمون على معاوية، ثم يسلمون على يزيد، حتى جاء رجل، ففعل ذلك، ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين اعلم إنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها، والأحنف ساكت، فقال معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال:
أخاف الله تعالى إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال جزاك الله خيرا عما تقول، ثم أمر له بألوف، فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب، فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم أن هذا من شرار خلق الله تعالى، ولكنهم استوثقوا من الأموال بالأبواب، والأقفال، فلسنا نطمع في إخراجها إلا بما سمعت، فقال له الأحنف: يا هذا أمسك، فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها.
وقيل: إن الكذب يحمد إذا وصل بين المتقاطعين أو أصلح بين الزوجين، ويذم الصدق إذا كان غيبة. وقد رفع الحرج عن الكاذب في الحرب، وعن المصلح بين المرء وزوجه. وكان المهلب في حرب الخوارج يكذب لأصحابه يقوي بذلك جأشهم، فكانوا إذا رأوه مقبلا إليهم، قالوا: جاءنا بكذب.
وقال يحيى بن خالد: رأينا شارب خمر نزع ولصا أقلع وصاحب فواحش رجع، ولم نر كذابا صار صادقا. وكان عمر بن معد يكرب مشهورا بالكذب. وقيل لخلف الأحمر وكان شديد التعصب لليمن: أكان ابن معد يكرب يكذب؟ فقال: كان يكذب في المقال، ويصدق في الفعال. قيل: إن بلالا لم يكذب منذ أسلم رضي الله تعالى عنه، والحمد لله وحده.
وللكاذب علامات تفضحه ومنها زيغ البصر: حيث يتعمد الكاذب دائماً ازاغة بصره أثناء الحديث. وكذا استخدام كلمات قليلة، فالكاذب يستخدم أقل عدد ممكن من الكلمات وهو في الحقيقة يفكر فيما يقول من أكاذيب وهنـــاك أيضاً كاذبون ينهجون العكس ليربكوا المستمع ويثبتوا أنهم صادقين. كما يميل الكذاب إلى تكلف منظر الجاد لاسيما في وجهه، إلا أنه يكشف نفسه ببعض الحركات اللاإرادية كمسح عينيه أو لمس الوجه…وتجده يميل عادةً إلى استخدام نفس الكلمات مرات متتالية وكذلك نفس المبررات.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.