الكوارث ليست مناسبة للتَّشفي وتصفية الحسابات

0 785

أحمد عبد العزيز الجارالله

من المعيب جدا أن تتحول كارثة الأمطار غير المتوقعة نسبتها العالية جدا الى مصدر ابتزاز جديد يمارسه بعض أصحاب النفوس الضعيفة الذين يتحينون كل فرصة من أجل الابتزاز السياسي لهذا المسؤول أو ذاك، وتصفية الحسابات، خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأسماء وهمية أو غير وهمية، بدلا من التضامن واستخدام هذه الوسائل وفق الهدف الذي وجدت من أجله.
في كل دول العالم تحدث كوارث من هذا النوع، ففي العام الحالي شهد الأردن كارثة سيول اكبر مما هو متوقع، وكلنا يعرف ان الطبيعة الجغرافية والمناخية للأردن مختلفة عما هو لدينا، فهي تشهد كميات امطار هائلة سنويا، وحتى في عدد من الدول الاوروبية، التي تهطل فيها الأمطار والثلوج طيلة فصل الشتاء، لكن لم نر أيا من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نادى بإقالة هذا الوزير أو ذاك المسؤول أو رحيل الحكومة كلها، بل ان الجميع عمل على معالجة الآثار الجانبية، وخصوصا النفسية للمتضررين بمسؤولية كبيرة.
للأسف في الكويت خصوصا، وبعض دول المنطقة عموما تحولت هذه الكارثة الطبيعية الى مناسبة للتشفي وإطلاق الاتهامات جزافاً، مخالفة بذلك أبسط القواعد المتعارف عليها في ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير، ومخالفة أيضا لقانون الجزاء الذي يحرِّم اتهام أي شخص من دون دليل، ووصل الأمر إلى حد إثارة النعرات المناطقية والطائفية والقبلية، فهل يسعى فعلا هؤلاء الذين يمارسون هذا الاسلوب من التشويه المتعمد الى حل المشكلات الناتجة عن هذه الكارثة الطبيعية؟
في ولاية كاليفورنيا الاميركية هناك حرائق كبرى مستمرة منذ أسبوع، وتم إجلاء نحو ربع مليون نسمة، ولم نسمع أي أميركي يطالب باستقالة الرئيس ترامب بوصفه رئيس السلطة التنفيذية، أو استقالة المستشارة الالمانية على خلفية كارثة السيول التي شهدتها بعض المناطق الالمانية، ولا المطالبة باستقالة رئيسة وزراء بريطانيا أو رئيس الحكومة الفرنسية وغيرها، كذلك في الاردن، لم يطالب أحد باستقالة لا وزير الاشغال ولا رئيس الحكومة، لأن الجميع يدرك ان هذه الكارثة، تعتبر قوة قاهرة، وفقا للتوصيف الدستوري والقانوني لها، ولا يمكن محاسبة أي كان إلا بعد التحقيق واستجلاء الحقيقة، وليس فورا القفز إلى البحث عن كبش فداء للتشفي، وان يختار كل واحد كبش الفداء الذي يناصبه العداء.
إن استقالة أي مسؤول في هذه الظروف تعتبر هروباً من مواجهة الحقيقة، فالأولوية لحصر الأضرار والتعويض على المتضررين، وإعادة النظر في البنية التحتية لتتناسب مع التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، وليست الكويت وحدها، ولهذا فإن الحكومة اذا استجابت، مثل كل مرة لهذا الابتزاز، فهي تتخلى عن دورها الطبيعي، ولذلك ضرر اكبر من كارثة الامطار.
صحيح، ما قاله بعض المسؤولين، وهو أن الضروري في هذا الوقت معالجة المشكلات التي طرأت على هامش هذه الكارثة، ومن ثم النظر في تحديد المسؤوليات بعد التحقيق وتقصي الحقائق، لأن هذا سيكون أولى الخطوات في إصلاح منظومة الجهاز التنفيذي ككل، ومن ضمن ذلك معالجة ذلك الوضع الشاذ في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كي لا تبقى معول هدم تحت شعار حرية الرأي والتعبير.

You might also like