الكويت تنظم مؤتمراً لإعمار السودان…”تصفيق”!

0 124

حسن علي كرم

وفقا للاخبار الصحافية فان الكويت بصدد تنظيم مؤتمر دولي لإعمار السودان، فيما يتزامن نشر هذا الخبر مع تصريح لسفير الكويت لدى الخرطوم مفاده رغبة رئيس المجلس السيادي الانتقالي الحاكم ورئيس الوزراء، كل على حدة لزيارة الكويت.
زيارة المسؤولين الكبيرين الكويت اذا تمت، في توقيت قريب او حتى في زمن آجل، ففي النهاية ان المسؤولين السودانيين الذين يتولون ادارة السلطة حالياً بعد نجاح الثورة الجماهيرية ورحيل نظام البشير الرجعي، والفاسد والقمعي، وضعوا الكويت في اخر قائمة الزيارات التي قاموا بها للبلدان الشقيقة والصديقة.
ربما كانت لهم اجندات او أولويات، او أعذار، ليست بالضرورة الكويت معنية من جانبهم بناء على رؤيتهم، واذا صح هذا الاحتمال، فذلك يفترض في المقابل ألا تلتفت الكويت ،او تنشغل بالهموم السودانية، او حتى الالتفات اليها، وفق مقولة المعاملة بالمثل” كما تراني يا جميل اراك”، فالسودان ليس دولة عظمى خطيرة تهز أركان العالم، او اذا اغلقت علينا مواردها نموت جوعاً، ومع ذلك فالسودان ليست دولة فقيرة، فخيراتها مدفونة تحت ترابها وفوق ترابها.
خيرات السودان تشبع كل الديار العربية اذا أحسنت ادارتها، الا ان السودانيين كما اظن لا يبدو يفكرون ان الكويت من الدول الستراتيجية، وانها كأحد الأطراف الدولية المانحة، وهذا لا يعني لهم شيئاً طالما أن الوصول الى الأموال، سواء على شكل معونات، او منح، او قروض، او هبات ستبدو مضمونة.
فالكويت التي صبت الأموال في جيوب البشير وقبل النميري، والسودان الذي وقف اثناء محنة الغزو والاحتلال الى جانب صدام حسين و أيد الغزو، لن تتأخر عن حكومة ثورية انقلابية ولِيَدة تمر في ظرف اقتصادي صعب (الدولار الاميركي يعادل 100جنيه سوداني حتى الأسبوع الماضي) لكن، وهنا الكبوة.
هل هناك تراجع عن المفاهيم الخاطئة التي رسخها النظام السابق في اذهان السودانيين، بما فيهم القيادات السياسية الحالية، وهل ينظر النظام الثوري الحالي الى الكويت باعتبارها دولة استثنائية(سيبك من دولة شقيقة) غير محورية، وبعيدة وغير فاعلة.
فاذا كانت نظرتهم للكويت على هذا الأساس، ونرجو الا يكون كذلك، فماذا يدفع الكويت حتى تشد”الحزام” وتبدي استعدادها لتنظيم مؤتمر دولي من اجل انقاذ اقتصاد السودان، فالاقربون للسودان واعني بهم الدول الغنية والقريبة والاكثر حميمية للسودان، التي يراها السودانيون انهم عين السودان، وانهم جيران يشدون بهم الظهر ساعة المِحنة؟
هؤلاء لماذا لايبادرون الى تنظيم مؤتمر انقاذي، ولماذا الكويت البعيدة جغرافياً، و”اللي مثل العومة مأكولة ومذمومة” تتقدم بالمبادرة وتفتح لهم خزائنها، الا ترون ان علينا مراجعة سياستنا؟
قصتنا مع السودان طويلة ومؤلمة، وهي من القصص التي يفترض ان تعلمت منها الكويت فهي لم تقصر مع السودان باعتبارها دولة شقيقة، فمنذ ستينات القرن الماضي قدمت لها المنح والقروض المليونية، وكان الفريق ابراهيم عبود رئيس الجمهورية، انذاك، اول الزائرين في حينه للكويت، وهي كانت تأمل من السودان ان تكون السلة الغذائية لها ولغيرها من الاشقاء عندما ضخت الاموال في البلد الشاسع والغني بالزراعة والثروة الحيوانية.
الكويت فتحت مشاريع صناعية مشتركة هناك، كمصنع السكر، الذي لا ندري حتى هذه الساعة ما مصيره، اموال مليونية كويتية تبعثرت وراحت الى جيوب المسؤولين الحكوميين هناك، فهل لا زلنا ننكس رؤوسنا ونقول عفا الله عما سلف، والناس ذاتها، والعقول ذاتها والنظرة ذاتها؟
نقول ذلك ونحن على يقين ان الشعب السوداني يتسم بالطيبة والحميمية والمحبة للكويتيين، لكن انقطاع التواصل الذي تسبب به نظام البشير جعل العلاقة شبه معدومة، كان السودانيون في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي يتمتعون بالأفضلية للعمل في الكويت، ولا سيما في مجالات الطب، والجامعات، والتعليم والمحاسبة، والوظائف الاستشارية، وبصراحة ليتهم يعودون، لعلهم يخلقون توازناً مع فئات وافدة.
الكويت نظمت ثلاثة مؤتمرات دولية لتوفير المال للاجئين السوريين، وكان الاولى بدلاً من ذلك عقد مؤتمر لإنقاذ سورية من الجرائم التي ترتكب على أراضيها باسم الثورة، بدلاً من ان تذهبت تلك الأموال الى جيوب النصابين والحرامية، اذ لم تنقذ لاجئاً من الجوع، او البرد، او المرض، او الموت او الامية.
ثم نظمت مؤتمراً دولياً لاعمار العراق، وكل ذلك رصدت المليارات، التي هي اموال الشعب، ويفترض ان يتمتع بها، لكنها ذهبت الى حيث لا يعلم الشعب، واليوم جاء دور السودان، وربما غداً الجزائر، او ليبيا، او اليمن، او لبنان، او مصر، فهل كتب على الكويتيين تبديد اموالهم هنا وهناك، وحرمانهم من خيرات ارضهم، والى متى تؤدي الكويت دور البقرة الحلوب، لماذا تذهب خيراتها لغير اَهلها، واَهلها يذوقون الاسى، لماذا لا ينظم هؤلاء الذين اشعلوا الفتن والحروب والأزمات والثورات والانقلابات، مؤتمرات في بلدانهم لإنقاذ البلدان التي خربوها بايديهم؟

صحافي كويتي

You might also like