الكويت دولة دينية بلا دستور ديني!

0 111

حسن علي كرم

ما الفرق بين دولة دينية ولكن بدستور ودولة دينية بلا دستور؟
جمهورية ايران الاسلامية، على سبيل المثال، لا احد يستطيع ان ينعتها انها ليست دولة دينية، ففي ديباجة دستورها تعلن انها دولة دينية، وبغض النظر اذا كنّا نتفق او نختلف، علينا جميعاً ان نعترف اذا شددت السلطات هناك على مواطنيها من الجنسين في بعض المظاهر التي يرونها تخالف التعاليم الاسلامية، فذلك لان النظام اختار ان يشرع قوانينه بما يتفق مع السنن الدينية بمفهوم الفقهاء والمفسرين الدينيين، ولذلك فالكثير من المظاهر الجمالية والترفيهية التي كانت مسموحة في عهد الملكية، ممنوعة، بل ربما يعاقب عليها اذا مارسها المواطن، ولذلك وجدنا الكثير من الإيرانيين تَرَكُوا بلادهم بعدما ضاقوا ذرعاً من النظام المتشدد غير المسبوق، وبالمثل ايضاً مارس نظام البشير المخلوع في السودان، الذي طاب لنفسه ان يوصم نظامه بالإسلامي فيما يحاكم حالياً بتهم الفساد والاستيلاء على أموال الدولة.
في الكويت عندما نتصفح الدستور ونقرأه مادة…مادة والمذكرة التفسيرية، لا نجد الا ان في الكويت نظاما مدنيا، يتمتع بالمرونة، مع وضع الدين في سياقه المناسب، والواقع، وبالمناسبة لم يكن المجتمع الكويتي قبل صدورالدستور اباحياً او دينياً متشدداً، بل كان وسطياً، فلم يميل كل الميل نحو التشدد ولا مال للاباحية المفرطة.
هكذا تأسست هذه البلاد وهكذا قبلها اهلها، وقدموا اليها لكونها تقوم على السماحة والانفتاح وقبول الاخر، ولذلك جاؤوا اليها من كل فج عميق، ثم تآلفت القلوب قبل ان تتصافح الايدي وتنصهر الاسر والأنساب، ثم ينصهر الجميع في بوتقة المجتمع الكويتي الواحد، فهل اخطأ الكويتيون الاولون عندما نزعوا عنهم العصبية الدينية و الجهوية، وقبلوا بالمجتمع الواحد، معلنين ان الدين لله والوطن للجميع؟
غير ان هذا كان في وقت كانت الطيبة والسماحة والتآلف ليس خياراً، انما طبيعة انبثقت من سماحة الارض، فالتربة الطيبة تنبت نباتاً حسناً، واذا فسدت النفوس، فسدت التربة.
ربما نحن كجيل وسط لاشك محظوظون، حين عشنا حقبة ما قبل النفط وما بعدها وعشنا حقبة الديمقراطية والاستقلال والدستور والانتخابات، واليوم نعيش حقبة الثورة التكنولوجية الجبارة، التي لا يبدو ستحدها حدود او تنتهي بالخير او الشر، فهذه التكنولوجية نعلم انها بوجهين، واحد مفيد ومسخر لخدمة الانسان، والوجه الاخر مسخر للشر والعدوان والحروب، في كل الاحوال ليس هذا موضوعنا في هذه المقالة بقدر ما يأتي عرضاً. موضوعنا، هو دولة شاءت ان تنهض مع التطور وتلحق ركب المدنية، فكانت دولة ثم دستوراً ومجلساً منتخباً من الشعب الذي استبشر خيرا ان يكون دستوره ومجلسه منصة للتطور والرفاهية، واحقاق الحق والتعامل مع كل المواطنين سواء بسواء كأسنان المشط.
لكن ما حدث هو خلاف ذلك، فلا الدستور تم تطبيقه بحذافيره، ولا الامة الواحدة تمسكت بوحدتها، ولا دولة المدنية والانفتاح بقيت على تمامها، فالنظام تراجع واكتفى بالمراقبة لكن من بعيد، والحكومات المتعاقبة لم تكن الا خاضعة لشهوات النواب وطلباتهم المفروضة، وغير المشروعة، ومخالفات صارخة للدستور والقوانين والوحدة الوطنية، بل لعل الحكومة قد تناست الدستور، ولم تذكره الا في المناسبات والخطب الرنانة التي هي مجرد حشو كلام، لا تغني ولا تسمن من جوع.
منذ نكبنا بالصحوة الدينية ومعاناة الشعب مع المتأسلمين الحزبيين، الذين تسلقوا باسم الدين على ظهر المواطنين البسطاء، الى الاستيلاء على مقاليد القرار، وزراء ونواباً ومسؤولين، وأثرياء وأغنياء وملاك شركات وثروات طائلة، أخضعوا هذا الشعب الطيب البسيط، الذي وطن نفسه يقوم على البساطة والانفتاح والفرح،وقلبوا نهارهم سواداً و ليلهم نكداً، وجعلوا دستور 62 مجرد واجهة، وطبقوا دستورهم الظلامي الذي اسس على الفتاوى والتفاسير التي تخدم مصالحهم، فاصدروا فتاوى تحرم الاكتتاب بشركات وطنية جاعلين فرصة الاستحواذ لأنفسهم ولمن على شاكلتهم، وحولوا البنوك من تقليدية الى اسلامية، كل ذلك بقصد المزيد من الاستحواذ و”التكويش” على الثروات المليارية، ولم يبق الا ان يعمموا السحر والشعوذة لعلاج المرضى، وطرد الاطباء من المستشفيات، لذلك فان الدين جراء الممارسات الخاطئة بات غريباً، لا يغرنكم تهافت هؤلاء على المساجد، فالدين قبل ان يكون ممارسة محفوظ في العقل ومسطور في القلب.
ان الكويت لن تتطور وستبقى في ذيل الركب الحضاري، والمنافسة طالما بقيت الحكومة خاضعة للشرذمة الحزبية المتأسلمة التي تمارس الدجل وتسخير الدين لمصالحهم.
اقتصادنا اذا خضع للفتاوى والتفاسير الدينية، فأبشروا بالخسائر والنكبات، لذلك انني لا افهم كيف سينجح الشيخ ناصر صباح الأحمد بتمرير مشروع الشمال، في ظل مناكفة الدجالين لأي مشروع اقتصادي ناجح؟
الكويت باسم الدين اكاد أزعم انها مكبلة، وان تحريرها بيد الحكومة، ولعل الأمل ضعيف، فيما نرى خضوع الحكومة لتلك الشرذمة الرجعية المتخلفة التي بسطت مقامعها على الدولة، والحكومة، والامة، لذلك نقول، الكويت ستبقى تراوح مكانها اذا بقيت هذه الحكومات المستسلمة لاصحاب الفكر الإقصائي، هل من المعقول ان يهيمن على مفاصل الاعلام والثقافة والفن والترفية وزير لا علاقة له بالفن والثقافة والإعلام، وزير لا يفرق بين شخصيات تاريخية واخرى حاضرة؟
اقول لا اصلاح ولا حركة تقدمية الا بحكومة اصلاحية، وزراؤها صناديد لا يخشون الصوت العالي او خسارة الكرسي… حكومة لا تخضع للدجالين والكذابين…حكومة تطبق الدستور، وان الدين لله وان الوطن للجميع.
صحافي كويتي

You might also like