الكويت رهينة أزمات لن تنتهي

0

أحمد عبد العزيز الجارالله

لم نكد نخرج من أزمة سحب الجنسيات، حتى دخلنا دوامة مثيلتها المزورة، وفجأة اشتعلت فضيحة الحيازات الزراعية، وقبل أن تهدأ ريحها هبت عاصفة الشهادات المزورة الشاغلة جميع شرائح المجتمع والأجهزة الرسمية اليوم، وتغطي على الأزمات السابقة كافة.
حول هذه الفضائح أو الملفات الشائكة تكثر النظريات، وتفوز بالنهاية نظرية المؤامرة، إذ بدلاً من العلاج الجذري وفقاً لما يقره القانون، يكثر الضحايا الذين يختارهم خصومهم لتصفية حسابات شخصية، وليس للإصلاح، فيستبقون نتائج التحقيق ليلمزوا بهذا وينعتوا ذلك بأبشع الأوصاف، فيصبحون محققين وقضاة ومنفذي أحكام.
لا أحد يبحث عن السبب في كل ذلك، وليس هناك من يريد وضع يده على الجرح ليوقف نزيفاً يطال الكويت كلها، بل هناك كثر يساهمون بِنَكْءِ الجراح، وهنا ربما علينا النظر بواقعية إلى حالنا التي تفرح الأعداء والمتربصين إذ لم يعودوا بحاجة للإقدام على أي عمل يهدد أمننا الوطني، وماعليهم إلا الاكتفاء بالتفرج علينا نهدم بيتنا بيدنا.
هنا، ربما علينا العودة إلى العبر المستقاة من الأمم الأخرى، وبهذه المناسبة تحضرني تلك الرسالة التي كتبها أحد الأساتذة الجامعيين في جنوب أفريقيا وعلقها على مدخل الكلية في الجامعة، وفيها أن : تدمير أي أمة لا يحتاج إلى قنابل نووية أو صواريخ بعيدة المدى، لكن يحتاج لتخفيض نوعية التعليم والسماح للطلبة بالغش، فيموت المريض على يد طبيب نجح بالغش، وتنهار البيوت على يد مهندس نجح بالغش، ونخسر الأموال على يد محاسب نجح بالغش، ويموت الدين على يد شيخ نجح بالغش، ويضيع العدل على يد قاضٍ نجح بالغش، ويتفشى الجهل في عقول الأبناء على يد معلم نجح بالغش، لأن انهيار التعليم يعني انهيار الأمة.
إذا أردنا قول الحقيقة، من دون مجاملة، هذا الحاصل في الكويت، فعندما خفضنا مستوى التعليم بدأت تتفشى الأمراض، فإذا أقر قانون كنا أشطر الناس بالتحايل عليه، وفتح أبواب للتهرب منه، لهذا فإن قضية الشهادات المزورة ليست وليدة اليوم.
غالبية، إن لم تكن كل الشهادات المزورة وغير المعترف بها، كانت بسبب الكوادر المالية التي أغرى بها مشرعون شرائح عدة لكسب الأصوات، فأصبح لكل مؤسسة في الدولة نظامها المالي الخاص، وغابت المساواة، فيما كان المطلوب وضع نظام موحد لجميع الموظفين، تراعى فيه الكفاءة والخبرة وجودة العمل، وتغيب عنه مصطلحات “هذا ولدنا”، و”ابن الطائفة أو القبيلة”، ولا يهبط فيه موظفون بشهادات مزورة، ومدعومة بنائب أو متنفذ، على الدوائر الحكومية.
في كل الأزمات التي شهدتها الكويت لم توضع الحلول الجذرية لإصلاح الخلل، تماماً مثل ما هي حالنا حين منع مجلس الأمة الخمر، ولم يضع آلية واضحة تمنع اللجوء إلى بدائله، فانتشرت المخدرات، وزاد عدد المتعاطين، لأن تجار المزاج اتجهوا إلى ما غلا ثمنه وخف وزنه، واليوم لم تحسم بعد قضية الجنسيات المزورة والمسحوبة، ولا الحيازات الزراعية حتى جاءت أزمة الشهادات لتسحب الأضواء عن الفضائح السابقة، فيما لسان حال غالبية المواطنين “الله يستر من الأعظم”، لأن كل فضيحة تأتي لتشغلنا عن السابقة، فإلى متى ستبقى الكويت رهينة أزمات يمكن حلها بالحد الأدنى من المسؤولية الوطنية الحقيقية؟

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

3 + ثلاثة =