الكويت والرياض… الدولة الرشيقة تعطي خبزها للقطاع الخاص

0

الدولة الريعية لا تبني اقتصاداً سليماً والقطاع الخاص ليس أوكاراً للحرامية

كتب – أ حمد الجارالله:
منذ بداية عهد الرئيس الأميركي الراحل دوايت ايزنهاور وحتى سنوات قليلة خلت، كانت الميزانية الأميركية تسجل عجزاً سنوياً ملحوظاً، حتى وصل حجم الدين العام إلى نحو 19 تريليون دولار، وهذا لا شك كان له تأثيره على البُنى التحتية للاقتصاد الأول في العالم، غير أن المشهد بدأ يتغير مع وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، إذ إن الرجل بوصفه من المستثمرين وعلى صلة مباشرة مع مشكلات السوق المحلية، وضع نصب عينيه الانتقال ببلاده من زيادة معدلات البطالة والجمود الاقتصادي والأزمات المتتالية إلى إعادة البناء وفقاً لما يتطلبه المجتمع، وخصوصاً زيادة فرص العمل.
لهذا السبب كان أول ما فعله ترامب، بعد فوزه بالرئاسة، أن التقى برجال الأعمال والمصرفيين والاقتصاديين والصناعيين، وبعد الاستماع إلى مطالبهم سأل: “ماذا تريدون أن أفعل للتعاون على حل المشكلات، من دون تحميل المال العام أكلافا جديدة، تزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي؟
بعد ذلك تم إصدار سلسلة قرارات لحماية القطاع الخاص وتنشيطه، ومنها فرض ضرائب على الصلب والألومنيوم المستورد من الخارج، وغيرها مما تؤدي إلى الاعتماد على السوق المحلية، لا سيما أن الرجل على قناعة أن أوروبا والصين تعملان على نهب بلاده، وزيادة أزماتها المعيشية، عبر خفض أسعار السلع ومراكمة الأرباح.
في العالم العربي الأمر يختلف تماما عن ذلك، لأن البنية الاقتصادية قامت على سياسة أساسها الاعتماد على الدولة في كل شيء، وجعل القطاع الخاص مقيداً بسلسلة قيود مانعة تطوره، بل هي عملية قتل بطيء للحافز الفردي الذي يقوم عليه الاقتصاد الحقيقي.
هذا النموذج، ورثه العرب عن النهج الماركسي الذي أخذت به اقتصادات الدول الثورية، مثل مصر عبدالناصر، التي أممت القطاعات كافة وجعلتها تحت إدارة الحكومة، وعملت على مبدأ “اعمل قدر طاقتك وخذ قدر حاجتك”، فتحول المواطن عالة على دولة لا تقيم وزناً للإنتاج وجودته.
للأسف إن هذا النهج انتقل الى عدد من دول الخليج، لا سيما الكويت والسعودية، التي تحولت دولا ريعية يعتمد فيها المواطن على الوظيفة العامة، وباتت النسبة الكبيرة من الميزانيات مخصصة للرواتب، بينما يجري التضييق على القطاع الخاص المفترض أنه العمود الفقري للاقتصاد.
في الدول المتقدمة، وحتى في بعض الدول العربية، كمصر الملكية، كانت المبادرة الفردية أساس النهضة في تلك المرحلة، والجميع يعرف دور طلعت حرب وعبداللطيف أبورجيلة، والشبراويشي رائد صناعة العطور، فيما بعد التأميم دخلت الصناعة والزراعة مرحلة الغيبوبة لعقود بسبب سطوة المتنفذين في القطاع الحكومي الذي أصبح مغارة علي بابا لنهب المال العام.
للأسف، إننا في الوقت الذي تتجه اقتصادات الدول إلى المنافسة والدعم الرسمي، من خلال تسهيل الأعمال وتنقل رؤوس الأموال، تطالعنا بين حين وآخر سلسلة قرارات طاردة للاستثمار في كل من الكويت والسعودية، بينما هذا النموذج ليس موجوداً في الإمارات أو سلطنة عمان والبحرين.
كم مشروع أُلغي في الكويت بسبب اتهامات وجهها عضو في مجلس الأمة أو متنفذ إلى مؤسسات وشركات معنية بتنفيذ المشاريع، أو إلى الوزراء لأنه لم ينل حصة مما يجري العمل عليه، أو خوفاً من حملات تشويه سمعة يتفنن بها أصحاب الأهداف المشبوهة الذين يبدو أنهم يخدمون الخارج أكثر من الداخل، في وقت يستمر التضييق على رجال الأعمال والصناعيين من دون أي بديل أو حوافز مشجعة على الاستثمار. والأمر نفسه يجري في السعودية، حيث بدأت المصانع تقفل أبوابها وينقل أصحاب رؤوس الأموال استثماراتهم إلى الخارج.
في السعودية مثلاً، تغيّر وزير العمل أربع مرات في سنوات قليلة، وتغيرت معه القرارات، فكانت النتيجة زيادة معدل البطالة، فيما لو أن الدولة استمعت إلى رجال الأعمال لأن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص تقوم على التفاهم وليس الإلزام، وهو ما فعله الرئيس ترامب، لتغير المشهد تماما، إذ ليس كل العاملين في القطاع الخاص حرامية وطامعين، بل هناك أصحاب مبادرات فردية لديهم رؤية بعيدة المدى، ولذلك بدلاً من إصدار قوانين التكويت أو السعودة، من دون قراءة متأنية للطبيعة الاجتماعية والسوق ومتطلباته ما يدفع المواطنين إلى العزوف عن العمل، كان لا بد من تشجيعهم على تقبل المهن كافة والتدرب عليها.
لا شك أن هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في منهاج العمل في دولنا، وألا تستجيب للغلط المفتعل ممن يرفضون الانفتاح الاقتصادي، تماما كما هي الحال في أوروبا، حيث لا نجد حملات تشويه سمعة لرجال الأعمال أو الصناعيين فيما تنحصر مطالبات العمال بزيادة الأجور، والمزيد من فرص العمل، وهو ما تستجيب له الدول عبر خطط واقعية وقوانين متطورة.
في ظل الحركة التجارية العالمية، والإمكانات الهائلة لدى القطاع الخاص في كل من الكويت والسعودية، لا بد من وجود دور مهم وأساسي لهذا القطاع الذي يستطيع توفير فرص عمل هائلة وتخفيف الضغط عن كاهل الدولة، فتصبح القطاعات الحكومية رشيقة كما في الدول المتقدمة، وبدلا من إثقالها بالبطالة المقنعة يجري توجيه المواطنين إلى العمل في القطاع الخاص، بعد إزالة المعوقات من أمامه.
ما نحتاجه في الكويت والسعودية هو العمل بجدية على عدم تشويه دور هذا القطاع المهم، وتصويره على أنه مجموعة أوكار للحرامية، كما لا بد من وقف التضييق عليه بترهات أدت إلى أزمة اقتصادية تكاد تكون مزمنة، وإلا سنجد، في يوم قريب جداً، أن المستثمرين يهربون إلى حيث يجدون التسهيلات والترحيب والدعم القانوني والمعنوي لهم، وعندها لن تكون الدولة قادرة على الإيفاء بالتزاماتها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

9 + 10 =