“اللاّ” العربية ستهوّد فلسطين

أحمد عبد العزيز الجارالله

رغم مضي 70 عاما على الصراع العربي – الإسرائيلي, لم يتعلم العرب من دورس الماضي، فبدلا من اقتناص الفرص وتوظيفها لمصلحة قضيتهم، يلجأون إلى إطلاق النار على أنفسهم، وعلى هذا المبدأ يأتي رفض السلطة الفلسطينية استقبال نائب الرئيس الأميركي مايك بنس احتجاجا على قرار رئيسه دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها.
نعم، إن ما أقدم عليه ترامب مخالف للقوانين الدولية، ولا يخدم قضية السلام، لكن هذا لا يعني أن يساعد العرب إسرائيل على تحقيق أهدافها من خلال اللجوء إلى المقاطعة السياسية لانهم بذلك يتركون فراغا كبيرا لا شك ستستغله تل أبيب في المضي بمشروعها وهو تهويد القدس، كمقدمة لإعلان يهودية الدولة، وعندها سيكون من شبه المستحيل إقامة دولة فلسطينية، حتى لو على أجزاء من الأراضي المحتلة وعودة الفلسطينيين، واستعادة حقوقهم.
في هذا السياق, علينا الاعتراف بسوء تقدير العرب للمواقف، منذ العام 1947 حين صدر قرار التقسيم الأممي، الذي رفضوه، كما رفضوا استقبال البعثة الدولية لبحث الأمر، وانساقوا خلف شعارات ثورية فيما كانت إسرائيل على اعتراف غالبية العالم بها، في المقابل خضعت المناطق الفلسطينية للوصاية العربية، ومنذ ذلك التاريخ دخلت القضية أروقة المصالح العربية ولم تعد أولوية.
جميعنا نذكر القمة العربية في الخرطوم ولاءاتها الثلاث التي اعلنت تحت وقع حماسة أثارها جمال عبدالناصر بشعارات نسج عليها منظومة تغييب الوعي العربي عن رؤية ما يجري على أرض فلسطين، فمن شعاره رمي اليهود في البحر إلى رفضه مبادرة رودجرز، انتهت كلها إلى هزيمة يونيو 1967 ما جعل البندقية الفلسطينية تتحول لغير هدفها، بدءا من أيلول الأسود العام 1970 في الأردن، مرورا بالحرب اللبنانية، وصولا إلى مشاركة فصائل فلسطينية مسلحة في الحروب الاهلية العربية.
كل هذا تسبب بتضييع الحقوق الفلسطينية، وتقديم التنازلات تلو التنازلات للوصول الى الحد الأدنى منها، فلو عمل العرب على استغلال الفرص الضائعة لاستطاعوا التغلب على إسرائيل بدلا من البكاء على الأطلال كما يجري اليوم.
لا شك أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية، بل في أوروبا كافة، أقوى بكثير من التأثير العربي الذي يكاد يكون معدوما، ولهذا على العرب إدراك أن قادة الولايات المتحدة سيعملون بما يخدم هذا اللوبي لأن حساباتهم الانتخابية والداخلية تختلف كثيرا عن حساباتنا العربية المحصورة بحرب الشعارات.
في العام 1917 قدمت بريطانيا وعد بلفور لليهود بإقامة دولة لهم في فلسطين، ورغم ذلك نجح العرب في التعامل معها، فيما اليوم وبعد 90 عاما على ذلك الوعد، وحين أصبح الفاعل بالقرار الشرق أوسطي هو الولايات المتحدة لم يعترف العرب بفشلهم في فهم الذهنية الأميركية، والتعاطي معها، ولذلك سيكون قرار مقاطعة نائب الرئيس الأميركي خدمة إضافية يقدمونها لإسرائيل على طبق من فضة لتمضي في مشروعها, بينما العرب ستبقى تطربهم الشعارات الحماسية.