لا يعرف المواربة في المواقف... وجعل "في الأساس" نافذته على لبنانه

اللبناني نهاد المشنوق… وزير داخلية برتبة مواطن لا يعرف المواربة في المواقف... وجعل "في الأساس" نافذته على لبنانه

صقر في “المستقبل” ومتعالٍ على الحزبية في النيابة والوزارة

قلما أجمعت القوى السياسية على وزير داخلية كإجماعها على الصحافي البيروتي

أسقط المحاصصات الحزبية والسياسية في الداخلية ورفع أجهزتها إلى مستوى الوطن

لم تكن مسيرته السياسية سهلة فقد عانى من المنفى حين جاهر بمواقفه الجريئة

نهاد المشنوق ليس سياسياً عابراً في الزمن اللبناني الصعب بل هو محطة أساسية

يعرف عن وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق عدم مواربته في المواقف، ومن يعرفه صحافيا، يدرك ان الرجل في وزارة الداخلية لم يتغير، يسمي الاشياء باسمائها، ولذلك لا يعرف المساومة، وعلى هذا الاساس مارس دوره كوزير لواحدة من اكثر الوزارات اللبنانية حساسية، حيث الممسك بزمامها كالقابض على الجمر ويسير في حقل الغام، اذ عليه ان يعمل ليل نهار على امرين حماية وزارته من التدخلات الحزبية والسياسية، والتنسيق بين اجهزة امنية كانت في مرحلة من المراحل تبدو جزرا مستقلة ، بل استمرت سنوات طويلة بعد انتهاء الحرب مصابة بداء المحاصصة الطائفية لتبدو كأنها اجهزة يخضع كل منها لطائفة قائده.
هذه المحاصصة جعلت الوضع الامني هشا إلى حد بعيد، ويومها تحولت العديد من العصابات الاجرامية قوة فاعلة على الارض، وزادت معدلات الجريمة في بلد خارج من حرب اهلية طاحنة قوضت فيه الميليشيات مؤسسات الدولة كافة، ورغم تبدل وزراء الداخلية، حتى بعضهم ممن كانوا موظفين في الوزارة سقطوا في الامتحانات الامنية الكبرى، اما لانهم رجحوا كفة مصالحهم الحزبية على المصلحة الامنية، او لغرقهم في تسويات ذات منافع شخصية وعدم تحررهم من وهم المنصب.
هذه الصورة تغيرت جذريا مع تسلم نهاد المشنوق حقيبة وزارة الداخلية في العام 2014، يومذاك بدأ التغيير يظهر على الوزارة واجهزتها ويلمس المواطن اثره الايجابي، ففي الوقت الذي يعتبر الوزير منصبا سياسيا خالصا في لبنان، اختار المشنوق المسكون بوطن عرفه منذ الصغر منارة للشرق بحرية الفكر والرأي، ولم يفقد ايمانه رغم ويلات الحرب بعودته إلى صورته السابقة، لم يقبل ان يتنازل عن فرض الامن مهما كلف الامر، لان الحرية لا تستقيم مع الفوضى، ولا يمكن للمواطن ان يأمن على حياته وماله اذا لم تكن هناك قوة ضاربة تعمل على مدار الساعة لحفظ الامن، فكيف اذا كانت التهديدات داخلية نابعة من تراكمات الحرب الاهلية، وخارجيا، اكان من الارهابيين المتربصين بلبنان، او التهديد الاسرائيلي؟
هذا المشهد اللبناني المعقد يحتاج إلى من لديه القدرة على الحزم في القرار، والعزم على التنفيذ، فكيف اذا كان من يتولى المهمة رجل “في الاساس”(عنوان مقالته في صحيفة “السفير” اللبنانية) وضع رؤيته إلى وطنه امام الناس اجمعين حتى قبل ان يصل إلى المنصب الوزاري؟
حتى لا تكون هناك اي خطوة ناقصة في عمله، فرض المشنوق على الاجهزة الامنية العودة إلى البيئة الطبيعية الصحية من التنسيق بينها، إلى حد التكامل، فحققت الكثير من الانجازات في الحرب الاستباقية على الارهاب، اضافة إلى ترميم واصلاح دورها في الامن الاجتماعي، وهو ما يظهر حاليا في انخفاض نسبة الجرائم في لبنان إلى معدل لم يسبق ان شهده طوال ربع القرن الماضي، اي بعد انتهاء الحرب الاهلية.
في موازاة ذلك كان يعمل نهاد المشنوق بصمت وبعيدا عن الاضواء على تصحيح الخلل في ادارة الانتخابات النيابية والبلدية عبر سلسلة قرارات واجراءات يكاد معها لبنان يبدو مختلفا كليا عندما تنتهي الانتخابات المقررة في مايو المقبل، فلقد كان الرجل، وفقا للمطلعين على كواليس الاتصالات لاقرار قانون الانتخابات الجراح الماهر في استئصال العقد والعراقيل عبر التوفيق بين وجهات النظر الحزبية اللبنانية، إلى درجة انه استطاع فعلا ان يجمع ما عجز عنه من سبقوه في هذا الشأن الحساس جدا على المستويات كافة.
يحسب لنهاد المشنوق انه يمارس عمله في وزارة الداخلية من قناعة وطنية، اي الفصل بين موقعه الحزبي وتمثيله النيابي، وبين مهمته في الوزارة، من هنا لم يخطئ، مثلا الكاتب اللبناني سمير عطاالله حين وصفه في مقالته “الغابة” المنشورة في الشرق الاوسط في 8 ابريل العام 2016 بـ”لم تخلُ الدولة من وجوه تدعو إلى الاعتزاز، ولا خلت السياسة من ذوي المروءات الوطنية والإنسانية، ولا يزال اللبناني يشعر ببعض الطمأنينة بوجود شجعان مثل نهاد المشنوق”، فالرجل استحق ذلك بجدارة.
لم تكن مسيرة المشنوق السياسية سهلة، فهو عانى من المنفى تماما كعدد من اللبنانيين حين جاهروا بمواقفهم، اكان بوجه الممارسات السورية اثناء الوجود السوري في لبنان، او بتصديهم للاحتلال الاسرائيلي، منسجما مع قناعات ترسخت لديه منذ بدأ اوائل سبعينات القرن الماضي العمل في المجال الصحافي، وثقافته العروبية المتعالية عن اي اصطفافات طائفية، ولهذا يعتبر الرجل من الشخصيات المقبولة لدى جميع اللبنانيين.
ساهم المشنوق في تأسيس “اللقاء الإسلامي” برئاسة المفتي الشيخ حسن خالد العام 1983، وهو الهيئة السياسية المدنية الأهم في منتصف ثمانينات القرن الماضي التي دعت إلى إنهاء الحرب الاهلية ووقف الهيمنة السورية على السياسة اللبنانية حتى اغتيال مؤسسها المفتي الشيخ حسن خالد والنائب ناظم القادري في العام 1989 بعد نفي الرئيس تقي الدين الصلح إلى باريس، ووفاته هناك، فسافر المشنوق للاقامة في قبرص ومن ثم إلى باريس في أواخر الثمانينات، وفي العام 1988 عمل مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري في باريس ثم في بيروت على إقرار القانون التأسيسي لشركة “سوليدير” وتحضير المخططات لتنفيذ المشروع حتى تكليف الشهيد الحريري تشكيل حكومته الأولى العام 1992 فتولى منصب المستشار السياسي والإعلامي له حتى العام 1998، تاريخ إلزام الأمن السوري للمشنوق بالتخلي عن عمله ومغادرة لبنان، يومها لجأ إلى باريس والقاهرة، لمدة خمس سنوات قبل عودته إلى بيروت في العام 2003 حيث لازم منزله حتى اغتيال الرئيس الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان. فعاد إلى الكتابة السياسية في صحيفة “السفير” اللبنانية، التي نشرت مقالته الأسبوعية، كل يوم اثنين، تحت عنوان “في الأساس”، في الصفحة الخامسة. ونقلتها صحيفة “البيان” الإماراتية، بالتزامن مع “السفير” وذلك حتى العام 2009 وانتخابه نائبا في البرلمان اللبناني.
يعرف عن الرجل صدقه في تحالفاته، والوفاء بالمواقف، وينظر إلى القضايا القومية من منظور مختلف كثيرا عما يسود بين السياسيين اللبنانيين، لذلك يعتبر اليوم في تيار المستقبل الذي اسسه الشهيد رفيق الحريري من القياديين الاكثر ديناميكية وثقة لدى مختلف القوى السياسية اللبنانية التي قلما تتفق على شخص تمحضه ثقتها، وتجمع على ادارته لوزارته بحنكة كما هي الحال مع هذا البيروتي الذي يألفه ابناء مدينته انه القريب منهم، لعدم وضعه حواجز بينه وبينهم.
لم يسقط يوما في الهلوسات السياسية، ولا مارس كبعض السياسيين لعبة التوقعات الفلكية، او بني على وهم، استنادا إلى هذه الحقيقة، في العام 2014 في تقرير عنه نشرته صحيفة “الشرق الاوسط” كتب ثائر عباس” كان لافتا جدا، أن يصل نهاد المشنوق إلى منصب وزير الداخلية، في حكومة الرئيس تمام سلام. فهو، رغم تصنيفه على أنه “صقر” من صقور تيار “المستقبل” الذي يرأسه الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، إلا أن شخصيته تحمل في طياتها الكثير من المعاني “غير العسكرية”، فهو قارئ نهم، ومثقف بارز، وصحافي لامع تنقل في حياته المهنية بين كبريات الصحف، بالإضافة إلى أنه سياسي من الطراز الأول.لكن المشنوق، نجح في أيامه القليلة في وزارة الداخلية، في أن يثبت نفسه بين “الكبار” الذين تعاقبوا على الوزارة لسرعة تأقلمه مع الدور الجديد وتأديته دوره الجديد ببراعة لافتة. والوزير المشنوق هو رجل عصامي تدرج في حياته المهنية والسياسية من صحافي على علاقة وثيقة بالقيادات الفلسطينية، إلى مستشار سياسي وإعلامي للرئيس الراحل رفيق الحريري الذي كان صاحب الفضل الأكبر في استقرار المشنوق، ثم نائب في انتخابات عام 2009، فوزير للداخلية”.
في الوقت الذي كان يكثر فيه التهويل بعدم اجراء الانتخابات النيابية، وحتى من قوى سياسية وازنة في لبنان، وحده المشنوق كان يعمل على الانتهاء من الهيئة المشرفة على الانتخابات، ووحده الذي كان ولا يزال يؤكد انها ستجري في موعدها، لان اللبنانيين لن يقبلوا مزيدا من التأجيل لهذا الاستحقاق المصيري الذي يعد ايحاء المؤسسات كافة، ولذلك لم يتأخر لحظة حين انجزت الهيئة عن تكليفها الاعداد للانتخابات.
يبقى القول ان نهاد المشنوق ليس سياسيا عابرا في الزمن اللبناني الصعب، بل هو محطة اساسية، خصوصا في وزارة الداخلية التي حظيت بوزير تتلمذ على يد الكبار، فكان في مهمته كبيرا.