الليبراليون ليسوا تافهين ولا سطحيين يا أبا معاذ

0 220

حسن علي كرم

ليعذرني السيد مبارك الدويلة، وهو رجل يحمل المجد من أطرافه، لا اقول:ان اذا خالفته، فنحن في طريقين قلما نتصادف، فثمة الكثير من المسافات الفكرية التي تبعدنا، ويتعذراللقاء، ورغم ما يحمله السيد الدويلة من خبرات حياتية ثرية في السياسة وكان فارساً بها،والكتابة الصحافية التي اعترف انه يمتلك قلماً رائعاً وتعابير سلسة وسهلة يفهمها الخاص والعام، هذا الى جانب كونه مهندسا ورجل اعمال وصاحب مكتب هندسي ناجح، ناهيك بكونه حزبيا حتى النخاع كقيادي في جماعة الاخوان، وقيادي في ما يسمى الحركة الدستورية الديمقراطية “حدس” الذراع السياسية للإخوان الكويتيين، كل ذلك يجعل من السيد الدويلة اذا تحدث او كتب، فلحديثه او لكتاباته قيمة ومعنى، بخلاف الكثيرين من كتاب وسياسيين ومدعي العلم والمعرفة والثقافة الذين لا نرى منهم غير الغث والسطحية. فما أكثر هؤلاء الذين يملأون الساحة وما اكثر ضجيجهم وما اقل عجينهم، فما اكثر الكتابات سيما مع ظهور الميديا الحديثة، وما اكثر المتحدثين الذين يحتلون المنصات، لكن اذا تمحصت في كتاباتهم وأحاديثهم وخطبهم، تجدها كالعهن المنفوش تيش بريش، واستغفر الله ان يكون السيد الدويلة من تلك الفئة، لذا يحزنني حين ينحدر الى كتابات اقل ما يمكن وصفها بالهذيان و رص الكلمات، ففي مقالته الاخيرة، والمعنونة “مطالب الليبراليين بين الامس واليوم “يبدو انه كتبها من دون مراجعة او تمحيص، ولذلك قد خلط العباس بالدباس، ففي مقالته يتهم الليبراليين بأنهم تافهون مطالباتهم مادية وسطحية لا تمس قضايا المجتمع، ولعمري قد خانه التعبير، وانحرف عن جادة الصواب،فالليبراليون ليس كل مطالبهم السفور واللباس غير المحتشم، او اباحة الخمور والمراقص.
وحتى لوافترضنا ان هناك من قدم تلك المطالَب، فذلك واقع لا مناص منه، ومطلب ان لم يتحقق راهناً، فغدا يفرض عليكم، فلعل السيد الدويلة يذكر ان الخمور كانت موجودة في الكويت قبل صدور قرار منعها في منتصف الستينات من القرن الماضي، ومازال مبنى مقر الشركة التي كانت تستورد الخمور شاهدا على تاريخ مضى. اما السفور واللباس غيرالمحتشم،على حد وصف الدويلة، فالنساء لم يعرفن الحجاب الحديث، وانما كن يغطين رؤوسهن بالملفع والبوشية والعباية للخروج، فالحجاب فكرة شيطانية تجارية ظهرت مع ما يسمى الصحوة الاسلامية، بل لعل كبريات دور الأزياء العالمية تتسابق في كل موسم لإظهار زي جديد من الحجاب، وهوما يعني ان المسألة ليست دينية ولاعلاقة لها بالإسلام وانما عملية بزنس وتضخيم ارصدة. ان المرأة يا عزيزي كانت دائماً لعبة المصممين و تجار الألبسة والزينة، والملابس الجريئة والضيقة من البنطال والتنانير القصيرة فوق الركبة والاحذية ذات الكعوب العالية والعطور المتنوعة كل ذلك ظهر اثر انتهاء الحرب الكونية الثانية، ووصولها للشرق العربي الاسلامي لم يكن مستحيلاً،فيما نشطت حركة التجارة و الاستيراد بين الغرب الاوروبي والشرق الاسلامي. نحن هنا في الكويت كنّا منفتحين و سباقين للتأقلم مع المنتجات الحديثة كأجهزة الراديو والتلفزيون والسينما التي كانت تعرض أفلام هوليود والبوليود وأفلاما فرنسية وإيطالية، ناهيك بالأفلام المصرية. كانت النساء الى جانب الرجال في صالات العرض يتابعون تلك العروض على شاشات دور السينما، سينما الأندلس و الحمراء والفردوس وحولي والاحمدي وسينما السيارات وغيرها وغيرها، ومازال عشاق السينما من الجيل الحاضر يملأون صالات العروض الحديثة و المجهزة باحدث التقنيات. ما اريد ان اصل اليه، و قد فات على اخينا ابي معاذ الظن ان الليبراليين ليسوا تافهين ولا سطحيين ولا مهووسين اومنغمسين بالترهات والماديات، والحزبيين الدينيين وحدهم الذين يتجرعون الويلات على وضع البلد، اوانهم لا يضعون للدين قيمة، فالليبراليون يؤمنون بقيمة الانسان والحرية الفكرية ويؤمنون بحق المرء في تحديد عقيدته، باعتباران العلاقة الدينية خاصة بين المرء وخالقه “لست عليهم بمسيطر”.”فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” مهمومون بالحريات والتعليم الجيد و تكافؤالفرص والعدالة الاجتماعية وغير ذلك من القضايا.
ان حدب العقيدة الدينية الكويتية يتحدد بالإسلام الوسطي، رغم انني لا اهضم هذه المقولة، لكن نوافق وزارة الاوقاف ووزراءها المتعاقبين عليها، باعتبار ان هذا سياسة الدولة، وهي جديرة بالاحترام، لكن، اليست الدعوة للوسطية ان نمسك العصا من الوسط، لا تشدد كتشدد “الدواعش” و”طالبان” و الاخوان والسلف، ولا تكفيرولا تحقير للاخر، وانما الاسلام الليبرالي، الذي يبدو يغيضكم، في ظل دعواتكم للتشدد وغلق البلاد بسور حديدي.
ان الله خلق البشر وهو ادرى بخلقه، وسخر كل هذا الكون العظيم من زرع و ثمر وحيوان وأرض وفضاء وامطار ورياح بوحار وانهار ونجوم وشموس وأقمار في خدمة هذا الانسان، ان وكرم الانسان بالعقل، واعظم من العقل الاختلاف في الرؤى والمواقف، فميزان العقل هوالاختلاف. نحن هنا في الكويت نعيش في نعمة، كوننا نختلف لكننا لا نتصادم، وهو الامر الذي ينبغي ان يعيه السيد مبارك الدويلة وكل العقول المتشددة الذين يَنظُرُون للحياة بعين واحدة. انظروا الى الكون تجدونه يختلف ألواناً وإشكالاً، واحترام الاخر بلا اتهامات سطحية تافهة هو احد الفضائل والفواصل التي ينبغي ان يتحلى بها الانسان المؤمن الواعي والعاقل. الخلاصة.. الليبراليون ليسوا تافهين ولا سطحيين ولا ملحدين، الليبراليون يحترمون الاخر، ولكن على الاخرين ان يحددوا مواقفهم: ماذا يريدون؟

صحافي كويتي

You might also like