مختصر مفيد

الماضي الجميل وزمن الطيـبـين مختصر مفيد

أحمد الدواس

أحمد الدواس

في الماضي كان أقصى ما يمكن أن يشاهده الصغار في التلفزيون برنامج “افتح ياسمسم”، وفوازير رمضان بعد العصر، وبرنامج “العلم للجميع” و”سينما في أسبوع”، في الماضي كانت المدرسة التي تبعد كيلومترات قريبة لدرجة أننا نمشى إليها كل صباح ونعود منها كل ظهيرة، لم نحتج إلى باصات مكيفة ولم نخش على أنفسنا، في الماضي كان للأم نفوذ وللمعلم نفوذ وللمسطرة الخشبية الطويلة نفوذ، نبلع ريقنا أمامها، كانت تؤلمنا لكننا كنا نحترم المعلم.
في الماضي كان ابن الجيران يطرقُ الباب ويقول: أمي تسلم عليكم وتقول عندكم معجون طماط، أخوان في الجوار والجدار وحتى في اللقمة في الماضي كانت الشوارع بعد العاشرة مساء تصبح فارغة، فالكل في منزله، وكانت أبواب البيوت مشرعة للجيران وكنا نتبادل أطباق الطعام، والآن نتبادل الشكوك وسوء الظن، لقد ذهب الطـيبون، إنها الأنفس التي تغيرت بفعل الحضارة، حضارة ألبستنا الملابس الراقية، لكنها عرتـنا من القيم الإنسانية .
في كويت الستينات والسبعينات كانت الابتسامة لا تفارق وجه كثير من الكويتيين، وتبوأت الكويت مراكز رائدة في مجالاتٍ كثيرة لاسيما المجال الرياضي والمسرحي والثقافي، وكان الأمن يسود البلاد بدليل أن أبواب منازل الكويتيين كانت مفتوحة وكان الفكر الديني متسامحاً غير متشدد ولم نرَ حينذاك أي منشور يبث الفتنة بين المصلين، أو نستمع لخطب تؤجج المشاعر الطائفية، ولانهبٍ لأموال صندوق التبرعات بالمسجد، ولافساد بوزارة الأوقاف، ولاخطبٍ هي أقرب للسياسة منها للدين، ولم نــعتد على رؤية المشاجرات اللفظية أو الجسدية بين أبناء البلد الواحد، بل سادت بيننا روابط المحبة، ومثال على ذلك أننا كثيراً ماكنا نشاهد انه إذا صدم مواطن بسيارته سيارة مواطن آخر خرج الاثنان من سيارتيهما يبتسمان واقترب كلاهما من الآخر يلقي عليه التحية، بل ويقبله في خده كما نفعل بالأعياد ! ولكن خلال السبعة والعشرين سنة الماضية تغيرت الأحوال وتبدلت نفوس كثير من المواطنين فظهرت أشكال مختلفة من العنف، وتغير المجتمع عما كان عليه في عهد الستينات والسبعينات، فما السبب؟
ربما تكمن الأسباب في ثلاثة أمور: مرحلة العولمة وتطور تكنولوجيا الاتصالات، وسلوكيات خطيرة جلبها بعض الوافدين للبلاد، ودخول التيار الديني المتشدد العملية التعليمية بتكرار المواد الدينية “دون شرح”، فبالانتقال الى مرحلة العولمة في التسعينات ومعناها المختصر “ان يسير العالم باتجاه مايسير به الغرب”، أي يقلد الغرب، مارس كثير من التلاميذ سلوكيات سيئة، ولم يعد التلميذ يحترم المدرس أو كبير السن، حتى ان كثيراً من الطلاب يسهر الليالي الى مابعد منتصف الليل ينظر هاتفه النقال، ويأتي الى المدرسة مُتعباً فيتدنى تحصيله العلمي .
السبب الثاني تدفق أعداد هائلة من الوافدين الى البلاد، فأدخل بعضهم المخدرات أو خلطها بالحلويات والمكسرات لإدخالها المدارس أو باع الأسلحة المختلفة من سكاكين أو مسدسات مهربة من بينها بنادق الكلاشينكوف، وأدخلوا سلوكاً سيئاً وهو الرشوة، وهكذا تجتمع هذه الأسباب لتهيئة البيئة الحاضنة لأعمال العنف بين الشباب، وهنا وجدنا أن مجرد “خزة”، أي نظرة عابرة من أحدهم للآخر من دون قصد، يُرتكب على اثرها جريمة قتل، أو حدوث المشاجرات على أتفه الأسباب، السبب الثالث الذي ساهم بظاهرة العنف هو دخول التيار الديني المتشدد العملية التعليمية بتكرار المواد الدينية “من دون شرح”، والحفظ من دون الفهم، فلاتكون هناك قدوة طيبة يتبعها التلميذ في حياته، فإذا كنا نمارس الدين على وجهه الصحيح فلماذا إذاً يحدث فساد في وزارة الاوقاف ؟!
ياأئمـة المساجد تحدثوا عن الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق، ابتعدوا عن نموذج الخطبة الإنشائي، ادخلوا صلب الموضوع، اجعلوا الناس تفهم حتى يتعدل سلوكهم الى الأفضل، ففي سورة يوسف مثلاً: مساوئ الحسد، الصبر، الأمانة، الدعوة الى الله، أخلاق يوسف أوصلته ليكون وزيراً للمالية لدى الملك، وأخيراً سامح إخوته مع إنهم رموه بالبئر، وهكذا فبالشرح والفهم نزرع في نفوس التلاميذ معنى الصبر والرحمة والتسامح والمعاني الجميلة فيتحلون بالأخلاق الفاضلة، فإن نضب النفط نكون قد خسرنا المال لكنا ربحـنا مكارم الأخلاق.

سفير كويتي سابق
aldawas.ahkwt@yahoo.com