المبدع محمد السادس وصورة الدين الحنيف

0 291

في زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس إلى المغرب دلالات كثيرة حيال العلاقة التاريخية بين المسلمين والمسيحيين، كما أن اختيار توقيتها في شهر رجب له معناه الكبير الذي يؤكد على التآخي الإسلامي- المسيحي منذ فجر الرسالة الإسلامية، إذ في هذا الشهر أرسل الرسول (صلى الله عليه وسلم) مجموعة من المسلمين للاستجارة بملك الحبشة النجاشي، الذي أحسن استقبالهم، ودارت بينهم وبينه حوارات عدة حول مكانة مريم البتول (عليها السلام) في القرآن الكريم، فأحسن وفادتهم، ورفض تسليمهم إلى وفد قريش الذي جاء إلى الحبشة مطالبا بالقبض عليهم.
في هذا الشأن، قال الملك محمد السادس موجها حديثه إلى الحبر الأعظم: “أردنا أن تتزامن زيارتكم للمغرب مع شهر رجب، الذي شهد إحدى أكثر الحلقات رمزية من تاريخ الإسلام والمسيحية، عندما غادر المسلمون مكة، بأمر من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولجأوا فرارا من الاضطهاد، إلى النجاشي، ملك الحبشة المسيحي. فكان ذلك أول استقبال، وأول تعارف متبادل بين الديانتين الإسلامية والمسيحية”.
بنى الملك المغربي على هذه الدلالة التاريخية مسألة جد مهمة، وهي إزالة سوء الفهم الذي تسببت به الجماعات المتطرفة، والثقافة المشوهة للعلاقة بين المسلمين وبقية أتباع الديانات السماوية، لذا كان لمحمد السادس الموقف المتقدم في تفسيره معنى أنه أمير المؤمنين بقوله: “بصفتي ملك المغرب، وأمير المؤمنين، فإنني مؤتمن على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية. وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم، وبهذه الصفة لا يمكنني الحديث عن أرض الإسلام، وكأنه لا وجود هنا لغير المسلمين. فأنا الضامن لحرية ممارسة الديانات السماوية، وأنا المؤتمن على حماية اليهود المغاربة، والمسيحيين القادمين من الدول الأخرى، الذين يعيشون في المغرب”.. بهذا يعيد العاهل المغربي التذكير برفض الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الصلاة في كنيسة القيامة عند فتح القدس، وقوله للبطريرك: “كي لا يأتي بعدي المسلمون ويقولون ها هنا سجد عمر وصلى”.
في هذه الخطبة أوضح الملك المغربي معنى الرسالة الإسلامية القائمة على التسامح، ناقضاً ذلك التفسير الخاطئ الذي اتبعه “القاعدة” و”داعش” والجماعات المتطرفة كافة التي استترت بالإسلام لتحقيق مخططاتها الدنيئة.
ولم يكن رد البابا فرنسيس أقل بلاغة في التأكيد على التآخي المسيحي- الإسلامي القائم على المثل الإنسانية التي بشر بها السيد المسيح وأساسها قوله عليه السلام: “طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ”، وهو ما استند إليه البابا فرنسيس في كلمته: “إن حرية الضمير والحرية الدينية التي لا تقتصر على حرية العبادة فقط، بل يجب أن تسمح لكل فرد بالعيش بحسب قناعاته الدينية، ترتبطان ارتباطا وثيقا بالكرامة البشرية، وأن التطرف الذي غالبا ما يقود إلى العنف والإرهاب، يمثل في جميع الحالات، إساءة إلى الدين وإلى الله نفسه”.
على هذا الأساس، يمكن البدء في إعادة النظر بمجمل أسس الحوار الإسلامي- المسيحي، بمعنى العودة إلى الينابيع الصافية، والخروج من نفق إساءة فهم الآخر التي تسببت بالكثير من المحن عبر التاريخ، وأدت إلى هذه البلبلة الحاصلة اليوم في ما يعرف بـ”الإسلاموفوبيا”.
لقد أبدع الملك محمد السادس في توضيح صورة الإسلام وفقا لمدلولات تاريخية، تعبر عن واقعية الدين الحنيف الوسطي.

أحمد الجارالله

You might also like