بقايا خيال

المتابعة في الإدارة الحكومية بقايا خيال

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يكاد الخياط أن يكون الشخص الوحيد في الدولة البارع في أصول المتابعة، عدا ذلك فإنني أشعر أن غالبية القوانين والقرارات الحكومية لا يمر على صدورها سوى بضعة اشهر حتى يتم تجاهلها أو نسيانها. ففي كل مرة أتوجه إلى «الترزي»، وهي بالمناسبة كلمة تركية الأصل (Terzi)، يخرج الخياط سجل المقاسات الخاصة بي ويبدأ بمراجعة الأرقام، ويقارنها بالواقع الذي أمامه، للتأكد من أن شكلي الخارجي لم يطرأ عليه أي جديد، وليتناول شريط القياسات (المتر) ويبدأ بمسح شامل للقوام ليجري التعديلات على الأرقام القديمة ثم يعيد السجل إلى الدرج. هذا الخياط وغيره من الخياطين مستعدون لممارسة هذا الروتين في مراجعة القياسات من دون كلل ولا ملل حتى لو زرتهم كل شهر. لماذا؟ لأنه وببساطة لا يريد أن تظهر عيوب التفصيل على جسدك، وحتى لا يبدأ الناس بفاصل لا نهاية له من «التطنز» عليك وعلى الخياط الذي لم يبدع في أداء عمله. ولهذا لا أجد نفسي مبالغا إذا ما قلت: أن لا أحد في الدولة يجيد فن المتابعة مثل الخياط.
خلال الشهرين الماضيين طرأت على الساحة المحلية ثلاثة أمور مهمة على المستوى الشعبي تناولها الإعلام عموما ووسائل التواصل الاجتماعي خصوصا بكثير من التحليل، بل وقوبلت بشيء من الرفض وعدم القبول أو الرضا حينا وبكثير من النقد حينا آخر رغم أهميتها للوطن والمواطنين، ورغم ضرورة تطبيقها كلها على أرض الواقع. وأولها تطبيق نظام البصمة في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وثانيها زيادة رسوم العلاج في العيادات الحكومية. وثالثها مخالفة استخدام التلفون النقال وعدم ربط حزام الأمان أثناء قيادة السيارة. ولكن ماذا عن نتائج تطبيق نظام البصمة؟
نحن نعلم أن الازدحام المروري قد خفت حدته، وهذا حسب وكالة يقولون من دون أن يكون مدعوما بالأرقام. وبسبب تطبيق نظام البصمة علمنا أن إدارات حكومية عدة امتلأت بموظفين غير معروفين، ونما إلى علمنا أن موظفين جددا دخلوا علينا من دول مجاورة وانخرطوا في الوظائف الحكومية، وغيرها من دراما التكدس الوظيفي الذي كان خافيا ومجهولا لولا نعمة البصمة. ولكن هذا لا يكفي، نحن نريد أرقاما واقعية تدعم قرار ديوان الخدمة المدنية بأهمية تطبيق نظام البصمة، مثل كم عدد الموظفين في كل إدارة حكومية، وكم موظف داوم، وكم موظف عوقب بسبب عدم الالتزام بالبصمة وكم موظف تم فصله من العمل بسبب التسيب وغيرها من الأرقام الدالة على صحة وإيجابية تطبيق نظام البصمة، حتى نعرف أن هذا النظام جاء ليطبق وليبقى إلى الأبد، ولنتأكد من أن هذا القرار الوظيفي الرائع سوف لن يكون حاله كحال القوانين التي شرعت ثم قذف بها إلى أرفف النسيان والتجاهل، ولكي نعرف أن هناك جدية في متابعة كل قرار يصدر من الحكومة. أقول هذا لأنني أعرف أن مثل هذه الأرقام تعتبر بمثابة الفضيحة «بجلاجل» للحكومة وللنواب الحكوميين والمتنفذين، ولهذا أشك في رغبة الحكومة في عرض هذه الأرقام.
وماذا عن إيجابيات نتائج تطبيق قرار زيادة الرسوم الصحية؟ وهل طبق بالفعل أم أنه كان مجرد «لتطييب خاطر» بعض النواب لتعود حليمة الكويتية إلى عادتها القديمة القاتلة للمال العام، والمعيقة لانسيابية عمل الكادر الطبي والتمريضي كله؟ وهل قل عدد المتمارضين والمراجعين أم أنه مازال على حاله لأن هناك بعض الأطباء غير الكويتيين يساعدون المرضى والمتمارضين من غير الكويتيين في الحصول على العلاج دون مقابل سواء كانت على شكل أدوية أو استخدام تقنيات تشخيص الأمراض وغيرها من العلاجات المجانية؟ فكم عدد المرضى الذين كانوا يراجعون العيادات الحكومية قبل تطبيق قرار زيادة الرسوم الصحية وكم صار بعد تطبيقه؟ وما المدة التي كان يقضيها كل طبيب مع مرضاه قبل زيادة الرسوم وبعده؟ وهل زادت المدة بالفعل بعد القرار بسبب انخفاض عدد المراجعين؟ وماذا بشأن متابعة نتائج تطبيق قرار مخالفة مستخدمي التلفون النقال وكذلك مخالفة غير الملتزمين بربط حزام الأمان أثناء قيادة السيارة؟ فهل انخفض عدد الحوادث المرورية بسبب هذا القرار بالفعل؟ وهل انخفض الازدحام على الطرقات نتيجة لتطبيق هذا القرار أم أن الوضع بقي على حاله من دون تغيير؟
إن المواطنين والوافدين على حد سواء بحاجة إلى تقارير مدعمة بأرقام أو بتحليلات رقمية حول التغييرات التي طرأت على أوضاع الحكومة بعد تنفيذ القرارات الثلاثة التي ذكرناها أعلاه، لكي يقتنع كل من يعيش على هذه الأرض بجدوى مثل هذه القرارات الحكومية، وحتى لا ينتقدها أحد بعدها بجهالة أو دون دراية، وحتى إذا ما أرادت الحكومة تطبيق قرارات إيجابية مماثلة في المستقبل لا تجد صعوبة أو عراقيل في طريق تطبيقها.

اعلامي كويتي