المثل قال: “واحد ينفخ… والثاني يفش”

أحمد عبد العزيز الجارالله

يعتقد البعض ان الكذبة التي يطلقها ستنطلي على الناس، والمضحك انه يتحول اول ضحاياها عندما يصدقها، من هؤلاء ما هو مأثور في التاريخ العربي عن اشعب الذي كان يكذب الكذبة ويصدقها، وثمة من كتب ان الكاتب والشاعر الانكليزي الشهير وليم شكسبير في بداياته كان يسوق لمؤلفاته بشائعة، كأن يقول احدهم ان الشرطة القت القبض عليه لما في كتابه الجديد من جرأة جنسية ودينية او تعد على الملك، وكان الكتاب ينفد من السوق قبل اكتشاف الحقيقة.
اليوم لم يعد هذا النوع من الشائعات ينطلي على الناس اذ سرعان ما ينكشف بسبب التطور الهائل في وسائل الاعلام والاتصال، على اختلاف انواعها، رغم ذلك، للاسف، هناك وسائل اعلام لا تزال تعمل وفقا لذهنية فبركة الاخبار على أساس الامنيات، كأن يشيع احدهم، ولاسباب احيانا معروفة، عن شخص ما انه افلس او تعرض لحادث، او مات، كما يحدث مع بعض المشاهير.
هذا النوع من الامنيات الاخبارية، اذا جاز لنا التعبير، انتقل الى وسائل اعلام يفترض انها جادة، واستخدم في الصراعات السياسية، كما حال الاخبار التي تلفقها احدى القنوات الاخبارية الخليجية وبعض وسائل الاعلام التابعة لها، او حين ينشر احدهم تغريدة على موقع “تويتر” سرعان ما تتحول وسما، لكنهم فوراً يقعون في شر أعمالهم فيفقدون مصداقيتهم.
لاحظنا في الاسابيع الماضية، مثلا، نشر تغريدات واخبار ملفقة من جهات معروفة عن خلاف، مثلا، بين الشيخ محمد بن راشد والشيخ محمد بن زايد، وان نائب رئيس دولة الامارات غير مؤيد لمقاطعة قطر، فيما ولي عهد ابوظبي مؤيد لها، او عن خلافات بين دولة الامارات والمملكة العربية السعودية، وبعضها ان السعوديين مستاؤون من موقف حكومتهم من الازمة الخليجية، او ان المملكة العربية السعودية غاضبة من الموقف الكويتي، او ان هناك خلافا بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وملك البحرين حمد بن عيسى.
هذه التغريدات المغرضة سرعان ما انكشف مطلقوها، رغم ذلك تحولت مادة اعلامية لتلك القناة ووسائل الاعلام الدائرة في فلكها وبدأ من يسمون انفسهم خبراء في سرد القصص والروايات والتحليلات، وهي ليست اكثر من أمنيات، وكثر المتصيدون في الماء العكر علهم يجدون ما يروي ظمأهم، لكن بدلا من ذلك كان يزداد تعلقهم بسراب الشائعات نتيجة إفلاسهم، لان وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي لم تعد حكرا على فريق واحد، فما كان يحتاج في السابق لأيام كي تكشف حقيقته لم يعد حاليا يتطلب اكثر من دقائق.
سوء استخدام وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي بهذا الشكل الساذج والمتخلف ليس موجودا الا في الشرق الاوسط، اما في الغرب ولان هناك احتراما لعقول الناس لا توجد اي شائعات من هذا النوع لانها ببساطة لا يمكن ان تنطلي على المجتمعات الواعية.
هؤلاء الذين يطلقون الشائعات ويصدقونها رغم تكذيبها فورا ينطبق عليهم المثل العامي الكويتي “واحد ينفخ والثاني يفش”، اذ الى اليوم لا يصدق هؤلاء الكذبة كل الدلائل التي تؤكد ان العلاقات الكويتية- السعودية في افضل حالاتها، وكذلك السعودية – البحرينية والاماراتية، والانسجام بين قادة الامارات تدل عليه المواقف الحازمة حيال اي قضية، اقليمية كانت او محلية، ولذلك تتقطع سريعا حبال كذبهم، وتزداد دولهم ووسائل الاعلام المثيرة لهذا النوع من الشائعات عزلة، بل إن تلك القنوات بدأت تدخل دائرة النسيان من كثرة اكاذيبها ما دفع الناس الى عدم متابعتها، ولم يعد لها ذاك التأثير، الذي يتوهمه العاملون بها فقط، وقصار النظر السياسي الذين يعيشون على هذا النوع من الشائعات.