نساء جاسوسات 5

المخابرات الألمانية استخدمت الحسناوات بين أسرى الحرب للحصول على عملاء نساء جاسوسات 5

ليست الجاسوسية عملا مستجدا رغم تطور ادواتها في العصر الحديث، انما هي وجدت منذ قديم الزمان، وقد كتب عنها الكثير، أكان لجهة تأثيراتها وفعاليتها في الحروب، واختلفت النظرة اليها حتى بين القادة الذين استخدموا الجواسيس في كل حروبهم، اذ كان بعضهم ينظر اليها على انها من الشجاعة والبطولة كما هي حال الملك البريطاني جورج الخامس، او الازدراء وفقا لما يروى عن الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت الذي رفض منح ابرز الجواسيس الفرنسيين وسام “جوقة الشرف” وقال لكارل شولميستر: “ان اعمال الفروسية التي وضع لها الوسام لا تتماشى مع ما يفعله الجاسوس”.
صحيح ان الكثير من الرجال اشتهروا بالتجسس وخلدوا في هذا المجال، لكن هناك نساء مارسن هذا العمل ونلن قسطا وافرا من الشهرة، ورغم ما كتب عنهن ايضا الا ان هناك جوانب عدة من حياتهن بقيت غامضة.
عن هذه الجوانب كتب اللواء المصري عادل شاهين كتابه “المرأة والجاسوسية” الذي سيصدر قريبا عن “مؤسسة الاهرام” ولقد اختارت “السياسة” بعض فصول الكتاب لتنشرها على حلقات قبل طرحه بالاسواق، وهي تنشر هذه الفصول حصريا بالتنسيق مع مركز الاهرام للترجمة والنشر ووكالة الاهرام للصحافة.
يتضمن الكتاب معلومات كثيرة ووقائع تاريخية واحداثا عن نساء عدة انخرطن في اعمال التجسس وشاركن في اعمال الاستخبارات، كالخطف والاغتيالات والتفجير اضافة الى نقل المعلومات، وكثيرات منهن القي القبض عليهن وحوكمن واعدمن، بينما بعضهن استردتهن دولهن وعشن حياتهن بعيدا عن الاضواء، وفي ما يلي حكاية بعض النساء اللواتي اشتهرن في هذا المجال:

اختارتها المخابرات لتكون عينها في لندن تحت اسم مستعار”ألين وندسور”
الحسناء الروسية راديو نسكا أجمل جاسوسة سوفييتية في بريطانيا

الجاسوسة السوفييتية تانيا ماركوفتا راديونسكا:
قصة الجاسوسة السوفييتية تانيا راديونسكا تحظى بأهمية بالغة لأنها تجيب عن سؤالين مهمين أولهما: هل يمكن أن يقترن نشاط المرأة الجاسوسة بالأعمال الإجرامية؟ أما السؤال الثاني: فهو هل النهج الإجرامي أمر مقبول من بعض أجهزة المخابرات العالمية لمن يكلف بأعمال الجاسوسية؟
في الواقع إن الإجابة عن السؤالين هي: نعم، ولقد تبين ذلك من خلال دراسة مجريات الأحداث التي صاحبت قيام الجاسوسة السوفييتية (تانيا راديونسكا) بنشاط التجسس على الأراضي الكندية على النحو التالي: في البداية: اختارت المخابرات السوفييتية (تانيا راديونسكا) مواليد سنة 1924 تلك الفتاة ذات الواحد والعشرين عاما والتي تتفرد بشكل جمالي مميز في القوام وملامح الوجه بالإضافة إلى العينين الزرقاويين، والتي أيضًا هي ابنة لعقيد في الشرطة السرية السوفييتية، وهي بالطبع بحكم البيئة التي تربت فيها مهيئة للعمل السري. فأرسلتها إلى معهد التدريب على الجاسوسية. ثم انتقلت بعد ذلك إلى الدراسة الأكاديمية في مدرسة (غاكزينا) حيث حصلت على دورة في التدريب على أعمال الجاسوسية.
تم اختيارها بعد ذلك للدخول إلى بريطانيا والإقامة فيها تحت اسم مستعار ألين وندسور وخضعت بعد ذلك لدورة تدريب على القدرة على التأقلم للعيش في بريطانيا مثل باقي نساء بريطانيا، وحققت نجاحًا ملحوظًا في هذا التدريب الأمر الذي هيئها لتتسلم جواز سفر بريطاني مزيف باسمها الجديد، وعليه تأشيرة دخول إلى (هونغ كونغ)، وقام الفرع الثالث بالمخابرات السوفييتية بتأمين دخولها إلى (هونغ كونغ) لتخرج منها على نحو لا يفترق عن أي سيدة بريطانية تحمل جواز سفر رقم 352874/ن الصادر من السفارة البريطانية في طوكيو، وعلى الفور قامت حجزت مقعداً على طائرة الخطوط الجوية البريطانية المتوجهة إلى لندن في 12 مايو 1958. وطبقًا لتعليمات المخابرات السوفييتية بعد وصولها إلى لندن أقامت في منطقة (كاربيل) واستأجرت غرفة مفروشة مع آخرين بعد أن أشاعت مع مخالطيها أنها تبحث عن عمل. أمضت (ألين وندسور) 9 أيام في منطقة (كاربيل) ثم عادت إلى لندن لتقيم في منطقة (كنفركروس) مع آخرين أيضًا تحت غطاء أنها تبحث عن عمل في أحد المتاجر، وكانت تخرج يومياً وتعود معلنة أنها لم تجد عملاً
ومضت أيام وهي على هذا النحو، حيث وصلها من القيادة السوفييتية في موسكو ما يفيد ضرورة امتناعها عن القيام بأي نشاط تجسسي، والتحضير للسفر إلى كندا. وبدأت تشيع بين مخالطيها أنها تعتزم السفر إلى كندا لعدم حصولها على وظيفة في لندن. وأنها تخشى أن تستهلك كل مدخراتها قبل أن تجد عملاً.
والواقع أن فترة إقامتها في لندن أكسبتها التأقلم كأي سيدة إنكليزية، وفي خلال ذلك كانت تستعد للسفر إلى كندا كمهاجرة وخلال تلك الفترة وصلتها رسالة سرية من الفرع الثالث في المخابرات السوفييتية تتضمن تزويدها بأسماء أقارب وأصدقاء كنديين، وبالطبع كانت أسماء وهمية لا وجود لها في الحقيقة إنما كانت بغرض التمويه كغطاء لسفرها إلى كندا، ومضت الأيام ووصلتها – أيضاً – رسالة سرية أخرى من المخابرات السوفييتية تتضمن تعليمات بالسفر إلى كندا، حيث وصلتها في مارس 1959م.

تعليمات جديدة
وصلت (ألين وندسور) إلى مونتريال كمهاجرة، وهناك استأجرت غرفة مفروشة، وبعد ستة أسابيع عملت خلالها في مخبز، وصلتها التعليمات الجديدة بالانتقال إلى أوتاوا العاصمة وقد حاولت صاحبة المخبز إثناءها عن السفر إلى أوتاوا وأنها ستزيد من مرتبها إلا أنها تحججت بأن عمتها مقيمة في أوتاوا وقد أصيبت بمرض مفاجئ وهي في حاجة إليها. وصلت (ألين وندسور) إلى أوتاوا وأقامت في أحد الأحياء الراقية، وبدأت تتردد على أحد المطاعم المجاور لمسكنها، وتعرفت على شاب من المترددين على المطعم وتنامت صداقتها له حتى أنها طلبت منه أن تستقبل بريدها على عنوانه ووافق الشاب بسرور، وهكذا بدأت تستقبل الرسائل الواردة إليها من المخابرات السوفييتية وكانت من آن لآخر تقدم له بعض الهدايا دون أن تدخل معه في أي نشاط تجسسي خوفًا من أن تكون مراقبة من السلطات. وهكذا فضلت إبقاءه (كصندوق بريد) فقط بينها وبين المخابرات السوفييتية، من دون أن يعلم.
تواصلت فترة إقامتها في أوتاوا أربعة أشهر، تعرفت خلالها على مهندس إلكتروني من أصل ألماني وبالطبع كان مدخل التعارف إعجابه بحسن جمالها وما تتمتع به من أنوثة ملفتة للنظر .. وعلى الفور كتبت إلى رؤسائها عنه فاعتبروه صالحاً للعمل حيث يمكن من خلاله الحصول على معلومات عن مصنع تجميع الطائرات الذي يعمل فيه .. وبدأت تلقي بشباكها ودلالها حتى تهيأ لها أنه يمكن أن ينساق وراء مطلبها منه بأن يزودها بأسرار عمله في المصنع مقابل آلاف من الدولارات. إلا أنه رفض طلبها وهددها بإبلاغ السلطات عن نشاطها فهددته بالمقابل بأن أقاربه الذين مازالوا في ألمانيا الشرقية سوف يكونوا تحت رحمة عملاء المخابرات التي تستطيع أن تحركهم إذا هو رفض الانصياع لها .. وفي نفس الوقت بدأت في داخلها ترسم ملامح خطة التخلص منه خوفًا من إفشاء أمرها .. فاستنفرت أنوثتها، وبدأت أكثر ودًا واستدرجته إلى تناول طعام وشراب في حجرتها .. وانساق الرجل ليبدأ رحلة نهايته حيث تم تخديره وبمساعدة عدد من العملاء السوفييت نقلته في سيارته التي قادتها بنفسها وفي مكان منعزل أوقفت السيارة، ووضعته في موضع القيادة وأطلقت من مسدسه طلقة على رأسه من مسافة قريبة جدًا حتى يبدو وكأنه انتحر .. ثم مسحت جميع البصمات الخاصة بها بإتقان على جميع الأماكن التي لامستها .. وهكذا بدا الموقف وكأن الرجل أنهى حياته بنفسه، وكان ذلك بالفعل ما نشرته الصحف في أوتاوا.

نمرة مفترسة
واصلت (تانيا راديونسكا) – (ألين وندسور) – عملها كجاسوسة ولكن في شكل امرأة تبدو كنمرة مفترسة من فرط أنوثتها حتى استطاعت التعرف على مهندس آخر يعمل في نفس مصنع الطائرات الذي كان ضحيتها الأولى يعمل فيه وكانت وظيفته رساماً في مكتب التصميمات .. وبدأت الكرة مرة أخرى بعد توثيق وتنامي العلاقات الغرامية والجنسية معه حتى تطوعه لما ستطلب منه.. وجاءت اللحظة التي طلبت منه تزويدها بنماذج الطائرات التي يقرر المصنع إنتاجها إلا أنه استفاق من هول الصدمة .. ورفض مهددًا إياها بإفشاء حقيقة وضعها .. فتراجعت مبدية بأنها كانت تختبره .. وخدع الرجل وواصل حبه لها وهيامه بها .. وتكرر السيناريو وفي نفس الوقت ونقل مخدرًا إلى منزل منعزل في ريف أوتاوا مستأجرًا لمزرعة دواجن كغطاء لمثل هذه الحالات .. وعلى الفور تولى عملاء آخرون للسوفييت داخل أوتاوا بتخطيط وإشراف من الفرع الثالث في المخابرات السوفييتية مسألة استمرار تخديره وإظهاره في شكل مريض .. حتى تمكنوا من نقله إلى سفينة روسية وبوثائق مزورة على أنه مريض.
وهكذا اقترن النشاط التجسسي لهذه المرأة بنشاط إجرامي وخوفًا من كشف أمرها جاءت تعليمات المخابرات السوفييتية لها بإيقاف هذا النشاط الإجرامي .. وانتظار تعليمات أخرى وكان واضحًا أن أحد عملاء المخابرات السوفييتية في أوتاوا كان مكلفًا بمراقبة مدى التزامها بما طلب منها.
التزمت (ألين وندسور) بالتعليمات لفترة وهي لا تدري أنها مراقبة إلا أنها فجأة عادت مرة أخرى إلى التهديد بالفضح لمن تحتفظ لهم بوسائل تدينهم وأيضًا في استعمال النشاط الإجرامي لمن لا يرضخ لطلبها .. والواقع أن المحطة الرئيسة في الفرع الثالث في المخابرات السوفييتية رغم علمها بذلك من عملائها الذين كانوا يراقبونها إلا أنها غضت الطرف عن ذلك لأنها كانت ترسل تقارير ومعلومات بالشيفرة تفوق في قيمتها أي تقارير أخرى يرسلها الجواسيس الآخرون المقيمين في أوتاوا ووافق رؤسائها على إطلاق يدها بالعمل.
ونظرًا لتزايد نشاطها التجسسي وحاجتها إلى وجود غطاء أو واجهة تخفي وراءها عملها الحقيقي في التجسس قامت بفتح متجر لبيع الملابس النسائية بنفسها.
وتمضي الأيام، وفي عطلة نهاية الأسبوع وأثناء وجودها في متجرها إذ بشاب أنيق وسيم يدخل عليها طالبًا منها أن تمنحه فرصة للبحث في المتجر عن بطاقة هوية لوالدته فقدتها أثناء شرائها بعض الملبوسات خلال تواجدها في المتجر. ورغم أنها كانت من أذكى الجواسيس وتحرص دائمًا على أنها لا تصادق أحدًا وتخرج معه إلا أن وسامة هذا الشاب عبثت بكل هذه الحيطة والحذر. وأقبلت عليه مبدية له موافقتها. وبدأت ترسل له رسائل تفيد أنها معجبة به. وبدأ قلبها يخفق له. بل يخفق لسلطان الحب الذي وقعت فيه .. وسرعان ما نصبت شباكها حوله وأقامت معه علاقة غرامية جنسية استمرت قرابة العام حتى أواخر 1960 حيث اكتشفت أنه ضابط في الشرطة الكندية .. وتواصلت العلاقة بينهما حتى أن هذا الشاب عرض عليها الزواج.
وفي رسالة مشفرة حملها الأثير إلى قيادتها في المخابرات الروسية أبلغت أن الضابط عرض عليها الزواج. وتطلب المشورة. وجاء الرد لا مانع طالما أنه لم يعترض أو يثبت أنه حاول كشف حقيقة نشاطها التجسسي. وترك الأمر لها لتقرر ما تراه في هذا الشأن.
وتواصلت علاقتها الغرامية مع هذا الضابط، والتي استطاعت من خلالها معرفة معلومات مفيدة عن الأوضاع العامة بالبلاد، وخلال اضطجاعه على وسادة فراشها حدثها عن السوفييتي الأرمني الأصل (إيغور غوزنكو) موظف الشيفرة السابق في السفارة السوفييتية القائمة في شارع»شارلوت»في أوتاوا، والذي سلم نفسه للسلطات الكندية مسلمًا لها كل ما يعلمه من أسرار خاصة عن أعداد وأسماء الجواسيس السوفييت الذين يعملون في سفارة كندا تحت غطاء دبلوماسي وكان ذلك في صباح الخامس من أكتوبر 1954.
وهكذا .. ومنذ أن سلم (غوزنكو) الوثائق السرية التي سرقها من السفارة الروسية في أوتاوا تغيب عن عمله الأمر الذي حدا بعدد من المسؤولين في السفارة الروسية للذهاب إلى منزله حيث كسروا الباب وفتشوا كل محتويات المنزل بحثًا عن الوثائق المفقودة من دون جدوى. وقد لاحظ الجيران في المنازل القريبة هذا الإجراء فأبلغوا الشرطة، وعند ذلك تحققت السلطات الكندية من أن (غوزنكو) لاجئ حقيقي فأسبغوا عليه حمايتهم له ومنحوه حق اللجوء السياسي وبالطبع حاولت السفارة الروسية في أوتاوا ومن خلال مساعي دبلوماسية استرداده من السلطات الكندية إلا أن هذه المساعي باءت بالفشل.
استمرت (تانيا راديونسكا) – (ألين وندسور) – في علاقتها بضابط الشرطة وهي تحاول جاهدة أن تعرف منه هل هي مراقبة من السلطات أو مشكوك في أمرها. ولكن لم تستطع أن تظفر منه بشيء.
والواقع أن ضعف (ألين وندسور) كامرأة جاسوسة سقطت في فخ الحب جعلها تحجم عن إبلاغ ما سمعته إلى رؤسائها في موسكو وظلت تهيم عشقًا بضابط الشرطة الكندي. وتوقفت رسائلها المفيدة إلى المخابرات الروسية الأمر الذي حدا برؤسائها من المخابرات الروسية في العام 1961 أن يرسلوا لها تعليمات بالشيفرة تطلب مغادرتها لكندا وقد عزز الفرع الثالث في المخابرات السوفييتية، الذي تتبعه ألين وندسور – وهو فرع التزوير الرسمي عزز هذا الطلب لها برسائل من إنجلترا تقول إن عمها على فراش المرض وحالته خطيرة ويطلب عودتها فوراً.
وهكذا .. غادرت (ألين وندسور) أوتاوا ثم كندا وانتهى بها الأمر إلى دخول موسكو .. بعد أن اختلط عملها في التجسس بارتكاب جرائم إجرامية( ).
الجاسوسة السوفييتية وشبكة الأوركسترا الحمراء.
في إطار السياسة العامة لجهاز المخابرات السوفييتي، والذي كان يحرص دائمًا على تكوين شبكات جاسوسية تابعة له في جميع الدول التي تهتم بها الحكومة السوفييتية، أو التي يمكن أن تكون محل هذا الاهتمام في المستقبل، وكان يعين لكل شبكة»مديرًا مقيمًا»لتولي تنفيذ المهام.
وتعتبر شبكة الأوركسترا الحمراء من أكبر وأنجح شبكات الجاسوسية خلال الحرب العالمية الثانية وإن كان تاريخ نشاط هذه الشبكة قد بدأ قبل نشوب الحرب العالمية الثانية.
كما امتد نشاط هذه الشبكة ليغطي معظم الدول الأوروبية (ألمانيا، وفرنسا، وبلجيكا، والدانمارك، والسويد، والنرويج، وتشيكوسلوفاكيا) وقد تميز النشاط التجسسي لهذه الشبكة بالكفاءة والابتكار والجرأة، كما طرق مجالات جديدة كانت تعتبر في ذلك الوقت بالنسبة لأجهزة المخابرات المختلفة مجالات غامضة، وغير مطروقة.
ويرجع تسمية هذه الشبكة التجسسية بهذا الاسم – الأوركسترا الحمراء) إلى المسئولين في أجهزة مقاومة التجسس الألمانية، باعتبار أن أجهزة اللاسلكي التي استعملتها كانت تعرف بآلات البيانو، كما كان الذين يستخدمونها من الشيوعيين.
والواقع أن الدافع لجميع العناصر البشرية – خصوصا من اليهود – التي انخرطت في النشاط التجسسي لهذه الشبكة كان يكمن في المشاركة بإيجابية في كل عمل يؤدي إلى هزيمة ألمانيا والقضاء على سياستها المعادية للسامية. وذلك من خلال الحصول على أكبر قدر من المعلومات عن كافة القطاعات الحيوية في ألمانيا خاصة المجالات العسكرية، وكذا في القيام ببعض عمليات التخريب المادي والمعنوي ضد القوات الألمانية في الأراضي الأوروبية المحتلة.
ولقد أثبتت النتائج التي حققتها هذه الشبكة التجسسية أن المسؤولين عنها أقدر من (ستالين) في مجال تقدير النوايا العدوانية لألمانيا وللحلفاء، حيث تميز نشاط هذه الشبكة بالشمولية والدقة، وكان تنظيمها في واقع الأمر وبصفة عامة من أكبر وأدق التنظيمات التي عرفتها أجهزة المخابرات خلال الحرب العالمية الثانية.
كما تعددت السواتر التي اتخذها أعضاء الشبكة لتغطية حقيقة نشاطهم وتسهيل مهامهم التجسسية، فقد تعددت المجالات، وكان بعضها متوافرًا بالفعل بتأثير النشاط القديم لبعض أعضائها (العمل الدبلوماسي) الدراسة في الجامعات، الأعمال الحرة، العمل الصحافي).
كما تولى رئاسة هذه الشبكة – المدير المقيم – وقادها باقتدار في الدول الأوروبية المختلفة»ليوبولد تريبار» وكان يهودياً من بولندا، ويمتد تاريخ انضمامه للمخابرات السوفييتية إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بوقت طويل.
كما تميزت – كما قدمنا – بعض أعمال تريبار بالجرأة والابتكار ومن أبرز الأمثلة على ذلك: قيامه باستغلال صلاته وصداقته القوية بقنصل المجر في بلجيكا – حيث كانت العلاقات بين المجر وألمانيا طيبة في هذا الوقت – وقام باصطحابه خلال قيامه بتفقد أحوال رعايا بلاده في فرنسا، وقد تم بالفعل تنظيم رحلة مشتركة في المناطق التي تدور فيها المعارك بين القوات الألمانية والفرنسية وخلال هذه الرحلة قام بتعطيل السيارة المدنية التي كانوا سويًا يستقلونها، وانتقل مع مرافقه إلى سيارة ألمانية عسكرية قامت بالانتقال عبر الخطوط الألمانية، ومراكز الحشود الخاصة بها. وهكذا تمكن (تريبار) خلال هذه الجولة من الحصول على معلومات كانت في غاية الأهمية أبرزت (استراتيجية هتلر) في الحرب وكذا اشتملت المعلومات التي حصل عليها بيان طرق تعزيز القادة الألمان لقواتهم، وكذا كيفية إدارتهم للمعركة.

مسرح للتجسس
فيما يلي نستظهر بعض حالات توظيف قدرة النساء في النشاط التجسسي في الشبكات المختلفة التي أنشئت في بعض الدول الأوروبية التي كانت مسرحاً للنشاط التجسسي لشبكة الأوركسترا الحمراء:
أولًا: نشاط فرع شبكة الأوركسترا الحمراء في فرنسا:
من المعلوم أن فرنسا كانت تحتل المرتبة الأولى في اهتمام النشاط التجسسي لشبكة الأوركسترا الحمراء السوفييتية نظرًا لدورها الكبير في مناهضة النظام الجديد بالاتحاد السوفييتي، ومن ثم فقد اتخذ (تريبار) من فرنسا مقراً رئيسياً لها نظراً لأهميتها، وموقعها الجغرافي في وسط دول غرب أوروبا التي تعتبر المجال الأساسي لنشاط الشبكة.
1- وكان»فاسيلر ماكسيموفيتش»وشقيقته (أنا ماكسيموفيتش) من العملاء السوفييت الذين هاجروا من روسيا إلى فرنسا مع والدهما وعملًا لصالح المخابرات السوفييتية على النحو التالي:
فاسيلو ماكسيموفيتش: قام خطب إحدى الألمانيات العاملات بمقر القيادة العليا الألمانية في باريس، وحصوله منها على جميع الوثائق السرية الخاصة بالقوات الفرنسية والألمانية في فرنسا وسياسة الحكومة الفرنسية في الداخل والخارج بالإضافة إلى الرأي العام الفرنسي.
أنا ماكسيموفيتش: وكانت تعمل طبيبة للأمراض النفسية، وقد افتتحت إحدى العيادات، وقد استطاعت أن تسخر هذه العيادة لتكون مركزًا لاجتماع العملاء بالإضافة إلى تزويد من ليس لديه بطاقات تموينية بالمواد الغذائية. وقد استطاعت الحصول على معلومات مهمة من خلال هذه الوسيلة عن القوات الألمانية في فرنسا وغيرها، وكان من بين مصادرها عدد من الضباط الألمان الذين كانوا يترددون على هذه العيادة.
2- تجنيد المخابرات السوفييتية الراقصة الألمانية (كاث فولكيز) والتي قامت بزيارة موسكو بعد إفلاسها، وتم تدريبها وإرسالها إلى فرنسا لتشغل منصب سكرتيرة لأحد المسئولين الألمان، واستطاعت عن هذا الطريق تزويد الشبكة بمعلومات مهمة عن القطاع الذي كانت تعمل به، وعن اتصالات ومحادثات رؤسائها وزملائها.
ثانيًا: نشاط فرع شبكة الأوركسترا الحمراء في بلجيكا:
كان فرع شبكة الأوركسترا الحمراء في بلجيكا من أهم وأكبر فروع الشبكة في الدول الأوروبية. وقد استخدمت المخابرات السوفييتية هذا النوع كمقر للنشاط الموجه إلى بريطانيا للحصول على المعلومات نظرًا لموقعها الجغرافي القريب منها.
وقد انحصر الساتر الذي تخفى أعضاء الشبكة من خلاله في النشاط التجاري، حيث قام (تريبار) بالتعاون مع زملائه بإنشاء شركة (سيمكسكو للتصدير والاستيراد)، كما تم أيضًا التخفي تحت ساتر إحدى الشركات التي تتولى صناعة الملابس الواقية من المطر للحصول على المعلومات وتحقيق أهداف شبكة التجسس السوفييتية.

الأوركسترا الحمراء
وإمعانًا في إنجاح هذا الساتر والحيلولة دون إثارة الشبهات حول حقيقة نشاط هذه الشبكة لم تعيين مديرها العام من أعضائها بل تم تعيين شخص آخر هو (جولس جاسيار) والذي كان يتمتع بماضٍ نظيف غير مثير للشبهات بالإضافة إلى أنه لم تكن له أية ميول شيوعية.
وكان من أبرز نشاطات هذه الشركة في الحصول على المعلومات وتحقق الأهداف قيام المسئولين عن الشركة بدعوة القادة الألمان الموجودين في بروكسل (من بينهم القائد العام) إلى حفلات الاستقبال والعشاء التي تقيمها بصفة دائمة لهذا الغرض، وتوفير سبل الترفيه والراحة، وكافة التسهيلات اللازمة لهم (خمور – نساء جميلات) الأمر الذي أسهم ولفترة طويلة في تحويل أنظار أجهزة مقاومة التجسس عن الشركة لفترة طويلة.
الجدير بالذكر أن شبكة التجسس السوفييتية (الأوركسترا الحمراء) في بلجيكا، قد نجحت في تجنيد إحدى البولنديات اليهود في الشبكة (صوفي بوزانسكا) وتكليفها بعد التأكد من اتجاهاتها المؤيدة للشيوعية، والمعادية للنازية بتشفير الرسائل التي تبعث إلى موسكو، وقد أثبتت هذه العميلة أنها على مستوى المسئولية، وتفوق في إخلاصها لمبادئها وللشبكة المدير المقيم نفسه حيث فضلت الانتحار عن الإدلاء بأسرار الشفرة السوفييتية إلى المخابرات الألمانية.
هذا ونكتفي بهذا القدر من إلقاء الضوء على كيفية نجاح شبكة الأوركسترا الحمراء السوفييتية في استخدام قدرات النساء كعميلات لخدمة المخابرات السوفييتية.