“المدارس”: بناء المدارس العلمية والدينية نبوغ المسلمين وعظمتهم في علوم الحياة (21)

0 5

بدأت الحضارة الإسلامية تعرف المدارس منذ القرن الهجري الأول، وكان الداعي لذلك كثرة الحلق التي غاصت بها المساجد، وأول مسجد قد حول إلى مدرسة كان جامع الأزهر عام 378هـ، وقد ملأت المدارس مدن العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وهي التي قامت على الأوقاف الكثيرة التي تبرع بها الأغنياء.

يذكر د.عبدالهادي محمد رضا في كتاب “نظام الملك” أن هذه المدارس كانت في أول أمرها أهلية، ثم تدخلت في إنشائها وإدارتها مؤسسة الحكم والخلافة، بدءا من الوزير الشهير” نظام الملك الطوسي”، الذى أضحت المدارس منذ عصره حكومية. وقد أسدى هذا الوزير للحضارة الإسلامية ما خلد ذكره، وفاق كل أعماله في دنيا الحكم والسياسة، بإنشائه عددا من المدارس في أنحاء الدولة نسبت إليه، فسميت بـ ” المدارس النظامية”، وهي تعد أول نوع من المؤسسات العلمية والمدارس التعليمية النظامية ظهر في تاريخ الإسلام، وقد هيأ لطلابها أسباب العيش والتعليم. وقد خصصت المدارس النظامية لتعليم الفقه والحديث، وكان الطلاب يتناولون فيها الطعام، وتجرى على كثير منهم رواتب شهرية.
ومن أهم المدارس التي أنشأها نظام الملك: المدرسة النظامية ببغداد، وقد أسهمت هذه المدارس التي انتشرت في بغداد وأصفهان في تثبيت قواعد المذهب السني والدفاع عنه ضد مختلف البدع والمذاهب.
يضيف د.راغب السرجاني في كتاب” ماذا قدم المسلمون للعالم”، قد كثرت المدارس في ظل الدولة الأيوبية كثرة لافتة للانتباه، إذ كان الغرض من إنشاء هذه المدارس، القضاء على المذهب الشيعي الذي كان متأصلا في مصر منذ الدولة العبيدية التي سبقت الأيوبيين، ومن ثم اهتمت مؤسسة الحكم بإقامة المدارس ذات الاختصاصات المختلفة في جميع أنحاء مصر، والغريب أن صلاح الدين كان يقيم هذه المدارس بغية نشر العدل والفضيلة والأمن بين الناس، فقد ذكر ابن الأثير في حوادث عام 566هـ، أنه “كان بمصر دار للشحنة (الشرطة) يحبس فيها من يريد حبسه، فهدمها صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وأزال ما كان فيها من الظلم”، وقد كان صلاح الدين أول من أهتم ببناء المدارس في تاريخ مصر الإسلامية، فقد بنى المدرسة الصلاحية والناصرية والقمحية.
والملاحظ هنا أيضا أن الدراسة في هذه المدارس لم تقتصر على العلوم الدينية، بل كانت تدرس بجانبها العلوم الطبيعية، كالهندسة، والطب، والرياضيات، بل كانت هناك مدارس خصوصية تدرس فيها هذه العلوم.
واشتهر في العصر المملوكي بكثرة المدارس التي بنيت فيه، فقد تسابق أمراء وسلاطين المماليك في بناء المدارس الشرعية والعلمية، فتفننوا في بنائها وعمارتها، بل اهتموا بتعيين أفاضل العلماء وكبرائهم في هذه المدارس، فقد “درس الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بالمدرسة الصالحية بين القصرين” وذلك عام 650هـ، كما درس في هذه المدرسة تقي الدين بن بنت الأعز في عام680هـ، وسراج الدين البلقيني في المدرسة الناصرية 779هـ، والعلامة المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون في المدرسة القمحية في سنة 786هـ، وغيرهم من كبار العلماء على مدار تاريخ المماليك.
وقد كانت هناك مدارس متخصصة للعلوم التجريبية والتطبيقية: كالمدارس المخصصة لتدريس الطب وعلومه، مثل المدرسة الظاهرية البرانية في دمشق، التي كانت تستقطب أعظم العلماء المتخصصين في هذه الصنعة، ففي عام 724هـ، استوفد عالم الطب الشهير في عصره ” نجم الدين عبد الرحيم بن الشحام الموصلى” للتدريس في المدرسة الظاهرية البرانية بعدما تعلم الطب وفنونه من بلاد الأزبك عبر رحلة علمية استغرقت بضع سنين. وكان هناك أيضا المدرسة الدخوارية- كانت قبلي الجامع الأموي في دمشق- من أشهر مدارس وكليات الطب في الشام، وقد أنشئت في عام 621هـ، أنشأها الطبيب الدمشقي الشهير المهذب الدخوار عبد الرحيم علي حامد.
وكانت بعض المدارس في مصر بمنزلة جامعة متعددة الفروع والأقسام، كالمدرسة المنصورية التي أنشأها سلطان مصر المنصور قلاوون الألفي بين القصرين في القاهرة، فكانت مقسمة لتدريس المذاهب الفقهية، لكل مذهب مدرس مخصص، ومكان معين، كما خصص فيها قسم لتدريس العلوم الطبية، وقسم لدراسة الحديث النبوي، وقسم لتفسير القرآن الكريم، “وكانت هذه التداريس لا يليها إلا أجل الفقهاء المعتبرين”.
ولذلك، فإن انتشار المدارس في الحضارة الإسلامية ليدلل على أسبقية الحضارة الإسلامية على نشر العلم بين طبقات المجتمع المختلفة، وهو مالم تعرفه حضارات الشرق والغرب.
جدير بالذكر أن أوروبا في هذه الآونة كانت لا تملك من حطام المعرفة إلا النذر اليسير، بل كانت الكنيسة وقتئذ محتكرة لأسباب المعرفة، وقد ترتب على ذلك أن عاش الأوروبيون في ظلام وجهل وتخلف وحروب طاحنة بين القبائل المختلفة. كما أن النظام الطبقي كان له وضعه المقدس في أوروبا ما نتج عنه اضمحلال وإهمال النظام التعليمي الأوروبي.
إن اهتمام المسلمين بإنشاء المدارس في كافة أنحاء المجتمع الإسلامي، ليدلل على أن هذه الحضارة قد أخذت بعين الاعتبار أن العلم أساس كل تقدم، بل قدمت للعالم نموذجا فريدا في نشر العلم بين الفقير والغني، والكبير والصغير، والرجل والمرأة حتى أصبحت الحضارة الإسلامية متربعة على قمة التطور العلمى طوال قرون متعددة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.