المدارس والخانات ملأت أرجاء العالم الإسلامي نبوغ المسلمين وعظمتهم في علوم الحياة 25

0

بدأت الحضارة الإسلامية تعرف المدارس منذ القرن الهجري الأول، وكان الداعي لذلك كثرة الحلق التي غاصت بها المساجد، وأول مسجد قد حول إلى مدرسة كان جامع الأزهر عام 378هـ، وقد ملأت المدارس مدن العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وهي التي قامت على الأوقاف الكثيرة التي تبرع بها الأغنياء.
عرفت الحضارة الإسلامية نظام الفنادق منذ أيام الإسلام الأولى، فقد أشار القرآن الكريم في جواز دخول الأماكن العامة – ومن جملتها الفنادق – دلالة على واقعية الإسلام واجتماعيته، فقال تعالى: “ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم” (سورة النور: الآية 29).
يذكر د. جلال مظهر في كتاب “حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالي” أن الخانات قد انتشرت على طول الطرق التجارية بين المدن الإسلامية، وكان أكثر روادها من التجار وطلبة العلم، فكانت هذه الدور تقدم الضيافة من الطعام والشراب مجانا للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ومن ثم أطلق على الخانات التي ظهرت وكانت تقدم الطعام مجانا “دار الضيافة”.
وقد كانت هذه الخانات بمنزلة المأوى الحقيقي الذي أعدته الدولة أو فاعلو الخير للمسافرين، فكانت تحميهم من حر الصيف وبرودة الشتاء. وقد كانت هذه الخانات مهيأة بحيث يستطيع طلبة العلم أن يذاكروا فيها دون ضوضاء، وكان وجودها عاملا مساعدا لطلبة العلم في الذهاب إلى أي قطر من أقطار الدولة الإسلامية.
وقد تطور أمر الفنادق في الحضارة الإسلامية، إذ لم يقتصر قصادها على التجار وطلاب العلم، فوجدنا بعض الخلفاء ينزلون بها في أوقات سفرهم، فقد نزل الخليفة العباسي المعتضد بفندق الحسين قرب مدينة الإسكندرونة ( في تركيا الآن ) وذلك عام 287ه أثناء تفقده لأحوال الثغور والمدن الشامية.
بل اهتم كثير من الخلفاء بتشييد هذه الخانات والفنادق، حيث كانت تبعة لإدارة الدولة وينفق من خلالها على المسافرين والفقراء وطلاب العلم، وقد اشتهر الخليفة المستنصر بالله (ت640ه) ببنائه لهذه الفنادق التي كانت تؤوي الفقراء وأبناء السبيل.
وممن اشتهر ببناء الفنادق المجانية الأمير نور الدين محمود فقد نقل أبوشامة في “الروضتين” عن ابن الأثير، أن نور الدين محمود بنى الخانات في الطرق فأمن الناس وحفظت أموالهم، وباتوا في الشتاء في كن من البرد والمطر.
وقد كانت بعض هذه الخانات تحتوى على قسم خاص لحفظ الأمانات والأموال، فكانت بمثابة البنك في عصرنا الحاضر، وكان القائمون عليها من الرجال والنساء على السواء، ولم يكن يسمح برد الأمانات والأموال إلا لأصحابها دون غيرهم.
وقد اشتهرت بعض مدن الأندلس بفنادقها الكثيرة والعامرة، حيث ذكر الحميري في كتابه “صفة جزيرة الأندلس” أن مدينة ألمرية الأندلسية “فيها ألف فندق إلا ثلاثين فندقا”، وفي كثرة هذه الفنادق، دليل على العدد الهائل من زوار وقصاد هذه المدينة العريقة.
وقد انتشرت هذه الفنادق بصورة واسعة في الأندلس منذ عهد الدولة الأموية، لكن بعضها كان يحيد عن الآداب العامة، فكان الأمراء يسعون في هدمها، لما تحدثه من فوضى أخلاقية في المجتمع، ففي عام(206ه) “أمر الحكم بن هشام بهدم الفندق الذي كان بالربض، وكان متقبله من أهل الإضرار والفسق فهدم”. ولا شك أن مثل هذه الأفعال الماجنة التي كانت تحدث في بعض الفنادق قديما هي بعينها ما نراه أو نسمع عنه في كثير من فنادقنا الحديثة، ولكن شتان بين الأمرين، إذ كان الخلفاء والأمراء يتصدون لهذه المفاسد بكل حزم وقوة، ويأمرون بإنزال أقصى أنواع العقوبة على هذه الفنادق فيهدمونها، ولكن الأمر بالنسبة لفنادق هذا العصر عكس ذلك بكثير.
كما اهتم بعض السلاطين بعمارة كثير من الفنادق، ووقفها للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فقد وافق سلطان المرينيين في المغرب أبو يعقوب يوسف المريني (ت706ه) بإعادة ترميم فندق الشماعين بمدينة فاس بعدما خرب، وجعله حبسا لرواد جامع المدينة.
يضيف د. راغب السرجانى في كتاب “ماذا قدم المسلمون للعالم”، وقد انتشرت الخانات والفنادق في عهد الدولة المملوكة بصورة واسعة جدا، لكن الجديد الذي أضافته هذه الدولة في مسار الحضارة الإسلامية أنها أقامت فنادق خاصة للجاليات الصغيرة الموجودة في مصر والشام من التجار والرحالة الغربيين، فقد ذكر المقريزي أن القبارصة الذين هاجموا مدينة الإسكندرية في عام (783ه) قد أحرقوا كثير من الدور والحوانيت والفنادق وقال: “إن الملاعين أحرقوا فندق الكيتلانيين، وفندق الجنويين، وفندق الموزة، وفندق الموسليين”. وهذه الفنادق التي ذكرها المقريزي كانت مخصصة للتجار الأوروبيين والإيطاليين، مثل تجار مدينة جنوة الإيطالية، مما يدلل على اهتمام الحضارة الإسلامية بغير المسلمين من تجار أوروبا في فترة قرونهم الوسطى.
بل حرصت الدولة على أن تخصص لأصحاب كل مهنة فندقا خاصا بهم، فقد كان هناك فندق لتجار الزيت الشاميين، وهو فندق طرنطاي فى مدينة القاهرة.
إن وجود الفنادق والخانات منذ فترة مبكرة من تاريخ الحضارة الإسلامية، ليدلل على أهمية البعد الاجتماعي الذي راعته هذه الحضارة في كل تطبيقاتها المادية والمعنوية، بل أضافت هذه الحضارة بعدا تكافليا آخر لم تعرفه أي حضارة أخرى، حيث جعلت كثيرا من هذه الفنادق والنزل متاحة بصورة مجانية لجميع الأطياف المجتمعية والإنسانية، فيمكث فيها الإنسان ما شاء الله له أن يمكث، دون أن يعكر عليه أحد صفو حياته، أو ينغص عليه مهمته، سواء كان تاجرا أم طالبا أم مسافرا. ولا ريب أن هذه الصورة الباهرة من تاريخ الحضارة الإسلامية يؤكد لدينا المرة تلو الأخرى عظم العطاء الإنساني الذي قدمته هذه الحضارة الخالدة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثمانية عشر + اثنا عشر =