المسلم يتدبر القرآن ليؤدِّب به نفسه وينهاها عن الهوى مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (23)

0

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يؤكد الدكتور خالد بن عثمان السبت في كتاب “الخلاصة في تدبر القرآن الكريم”، أن المؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة، يرى بها ما حسن من فعله وما قبح فيه؛ فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغب فيه مولاه رغب فيه ورجاه؛ فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدا وشفيعا، وأنيسا وحرزا؛ ومن كان هذا وصفه نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة، وكان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وأنس مما يستوحش منه غيره، وكان همه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلوه؟ ولم يكن مراده: متى أختم السورة؟! وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أزدجر، متى أعتبر؟ لأن تلاوة القرآن عبادة لا تكون بغفلة.
فالمسلم يتدبر القرآن ليؤدب به نفسه، همته: متى أكون من المتقين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أزهد في الدنيا؟ متى أنهى نفسي عن الهوى؟!. قال يزيد بن الكميت رضي الله عنه: “قرأ بنا علي بن الحسين المؤذن في عشاء الآخرة: (إذا زلزلت)، وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة وخرج الناس، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يفكر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، وقد طلع الفجر وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شرا، أجر النعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك.
ووصف السيوطي في كتاب “الإتقان”، تدبر المسلم للقرآن والوقوف عند المعاني بقوله: “أن ينشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك؛ فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذ، أو تنزيه نزه وعظم، أو دعاء تضرع وطلب”. وينبغي للتالي أن يستوضح كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك، فإذا تلا قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، (سورة الأنعام الآية: 1)، فليعلم عظمته، ويتلمح قدرته في كل ما يراه، وإذا تلا: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ)، (سورة الواقعة الآية: ?? )، فليتفكر في نطفة متشابهة الأجزاء كيف تنقسم إلى لحم وعظم… وإذا تلا أحوال المكذبين، فليستشعر الخوف من السطوة إن غفل عن امتثال الأمر.

عبرة وعظة
ينبغي لتالي القرآن أن يعلم أنه المقصود بخطاب القرآن ووعيده، وأن القصص لم يرد بها السمر بل العبر والعظة والسير في طريق النجاح والفلاح والسعادة، فحينئذ يتلو تلاوة عبد كتبه سيده بمقصود، وليتأمل الكتاب، وليعمل بمقتضاه. وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك اللسان والعقل والقلب؛ فحظ اللسان: تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل: تفسير المعاني، وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار؛ فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “إن أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع”.
وقال الإمام القرطبي رضي الله عنه في كتاب “تفسير القرطبي”: ينبغي للمؤمن أن يتعلم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مراده، وما فرض عليه، فينتفِع بما يقرأ، ويعمل بما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟! وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من هذا حاله إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا. وكان رضي الله عنه يقول: إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ بقراءته.
فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر والحكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: (اعتبر بها) إلا لمن كان بمعاني بيانه عالما، وبكلام العرب عارفا؛ وإلا بمعنى الأمر- لمن كان بذلك منه جاهلا- أن يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبره بعد، ويتعظ بحكمه وصنوف عبره.
فإذ كان ذلك كذلك- وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبره وحثهم على الاعتبار بأمثاله- كان معلوما أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدل عليه آيه جاهلا، وإذ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهم بما يدلهم عليه عالمون. والحق الذي لا شك فيه أن كل من له قدرة من المسلمين، على التعلم والتفهم، وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علم منهما…
ويرى الحافظ ابن القيم الجوزي في كتاب “مدارج السالكين”، أنه يتعين على قارئ القرآن أن يستصحب الأحوال والملابسات التي نزل فيها القرآن، وكيف كان يعالج المواقف والوقائع حتى أخرج ذلك المجتمع والجيل الراشد الذي اهتدى بالقرآن، وحمل هداياته إلى نواحي المعمورة، وحقق انتشارا وانتصارا مبهرين في مدة قياسية قصيرة.
واليوم القرآن هو القرآن، والناس هم الناس، والصراع بين الحق والباطل قائم، والمواقف متكررة وإن تغيرت الأسماء، فما علينا إلا أن نعي كتاب الله تعالى ونتدبره، وعندئذ سنجد فيه ما يعيد الحق إلى نصابه، والفشل إلي نجاح، والعالم إلى صوابه، فتتحرك عجلة التغيير من جديد كما كانت في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وذلك حينما نحرر نصوص القرآن من قيد الزمان والمكان.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

سبعة عشر − واحد =