المعارضة الإيرانية والخليج

0 9

غانم رجب

بعد أيام عدة تنطلق فعاليات المؤتمر العام للمقاومة الإيرانية في باريس تحت شعار “انتفاضة حتى إسقاط النظام”.
يأتي هذا المؤتمر في ظروف سياسية استثنائية عن كل ما سبقه من مؤتمرات، سواء على الصعيد الداخلي من حيث استمرار الاحتجاجات منذ ديسمبر الماضي إلى اليوم، واتساع رقعتها بمشاركة أطياف المجتمع الإيراني كافة بها، حيث صارت تلك الاطياف أكثر جرأة في إبداء معارضتها بشكل علني ومباشر تجاه الممارسات والسياسات التي يتبعها النظام، في الداخل والخارج، والتي يتفق عليها كل منصف بأنها تتسم بالرجعية والفشل، وكذلك تزايد الضغوط الدولية والإقليمية تجاهه، وبخاصة بعد فشل ستراتيجية الاحتواء الديبلوماسي المتمثلة في الاتفاق النووي الهزيل، بحيث أصبح هناك اقتناعًا تامًا لدى المجتمع الدولي بأن لا بد من أن يكون هناك حل جذري مع نظام يمارس ويصدر إلى العالم شتى أشكال الإرهاب.
ومع تبني إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب ستراتيجية جديدة تجاه إيران، مغايرة كلياً في نهجها وأدواتها عن الإدارة السابقة، بات لزاماً علينا في دول الخليج إعادة قراءة المشهد الإيراني بشكل جديد، بحيث نقدم فيها مصالحنا العليا، ونتمتع من خلالها باستقلالية أكبر في أساليبنا وإجراءاتنا السياسية المضادة لأجندات الملالي في المنطقة، لا سيما وأننا أكثر من تأثر من تلك التدخلات العدوانية السافرة التي لا تحترم القانون الدولي، ولا تراعي أدنى مبادئ حسن الجوار، ولن أتطرق لتلك التدخلات الظاهرة المعروفة التي تطول قائمة عرضها وشرحها وتصنيفها.
يجب أن يدرك القارئ ان المعارضة الإيرانية في باريس تتبنى الكثير من الرؤى والمبادئ السياسية التي تنسجم مع دول الخليج، خصوصا في ما يتعلق بأمن المنطقة، ومن أبرز تلك المبادئ عدم تسيس الطائفية التي عانينا منها، واستغلالها كذريعة في التدخل بالشؤون الداخلية للدول، كما يفعل النظام الرجعي في طهران، علاوة على ذلك، دائما ما يؤكد ممثلو المعارضة الإيرانية في خطاباتهم الرسمية أن سياستهم الخارجية ستكون قائمة على التعاون والتعايش السلمي، واحترام المواثيق الدولية، وهذا أبرز ما تصبو إليه دول الخليج والمجتمع الدولي بأسره من إيران الجديدة.
لكن إحدى أهم المعضلات التي تواجه دول الخليج في تكوين علاقة وثيقة مع المعارضة الإيرانية، هي عدم إقدامنا على بناء خط اتصال “رسمي” معها؛ رغم الدعوة التي أطلقها الأمير تركي الفيصل منذ عامين في هذا السياق، وترك هذا الأمر للمستويات غير الرسمية، من برلمانات ومجالس وإعلاميين، مما يجعل التنسيق المشترك في سبيل توحيد القوى كافة والإمكانيات من أجل تحقيق الهدف المنشود لنا جميعاً، وهو الخلاص من نظام الملالي،ليصبح أمرا في غاية الصعوبة.
من المفارقات المخجلة، نرى في المقابل النظام الإيراني لا يتقاعس عن إنشاء الأحزاب والميليشيات الإرهابية، وإيواء المعارضين لدول الخليج على أراضيه، ورغم عدم تقديمنا أي نوع من الدعم للمعارضة الإيرانية، إلا أن النظام الإيراني دائمًا ما يوجه اتهاماته المستمرة لدولنا في دعم ومساندة المعارضين السياسيين له، وهذا ما يتنافى فعليًا مع الواقع.
من الضروري حاليا لدول الخليج العربية السعي الى تكوين علاقات رسمية مع القوى الفعلية للمعارضة الإيرانية المدعومة من الجماهير المليونية في الداخل، والمتمثلة بالمجلس الأعلى للمقاومة الإيرانية في باريس، وبدء صفحة جديدة تقوم على التعاون المتبادل، هذا إذا كان لدينا بالفعل ستراتيجية حقيقية وواقعية للخلاص من النظام الذي يهدد استقرارنا وأمننا، ولنترك السياسات الجزئية الآنية غير المدروسة، التي لا تحقق مرادنا، وأعني هنا مسألة توفير الدعم الإعلامي للأصوات النشاز في المعارضة التي تطالب بانفصال وتحرر الأقاليم الإيرانية الحدودية، والسعي إلى تقسيم الجمهورية الإيرانية، ولابد أن الجميع يدرك ان حدوث هذا الأمر هو ضرب من الخيال، ويتعارض مع سياسات الخليج الداعمة لعدم تقسيم أي دولة في الشرق الأوسط على أساس عرقي أو طائفي، والشواهد كثيرة في هذا الإطار.
علاوة على ذلك لا يمكن تجاهل ان عدم استقرار إيران وزعزعة ترابطها الداخلي له، في نهاية المطاف، انعكاسات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية خطيرة على المنظومة الخليجية.
اليوم نحن نمر في منعطف كبير على مستوى المتغيرات الدولية تجاه إيران، وعدم مواكبة هذه الأحداث والمتغيرات بالشكل الصحيح والمناسب سيؤدي بنا إلى عدم تحقيق أمننا الوطني، ولنكن على إيمان ان كل الظروف القائمة في الوقت الحالي تصب في عدم مصلحة استمرار وبقاء النظام الإيراني.
لذلك أتمنى فعليًا أن يكون هناك تعاون مشترك وتواصل مباشر في المرحلة المقبلة بين العواصم الخليجية والمعارضة الإيرانية الوطنية.
وفي الختام أتمنى لأعضاء ومنظمي ومسؤولي ومؤيدي المعارضة الإيرانية في باريس كل التوفيق والنجاح بمؤتمرهم العام في الثلاثين من يونيو الجاري وأن يبلغ أهدافه وغاياته.
باحث سياسي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.