المعتمد بن عباد… استعان بـ “إخوان” المرابطين فسلبوه حكمه ونفوه

0 279

للتاريخ قصص فيها عبر عن تبدل الدول من حال إلى أخرى، وكيف للحاكم أن يحمي بلاده من الأخطار، وربما في قصة المعتمد بن عباد، حاكم إشبيلية وقرطبة عبرة تحتاج إليها بعض الدول العربية الساعية إلى خراب ذاتها من خلال خيارات حكامها الخاطئة.
في القرن الحادي عشر الميلادي، الخامس الهجري، قامت في الاندلس دويلة من دول الطوائف تحت حكم الملك المعتمد على الله بن عباد، أخذته زهوة الحكم والاغترار بقوة موهومة الى التوسع على حساب بقية الممالك العربية، حتى لو كان ذلك على حساب المواجهة مع الملك الفونسو الذي كان يسعى إلى طرد المسلمين من شبه الجزيرة الايبيرية واستعادة الملك منهم، فوقّع معاهدة مع عدوه على أن يسانده في مشروعه، مقابل دفع الجزية والسماح لالفونسو بالاستيلاء على طليطلة.
بعد احتلال الفونسو تلك الامارة زادت أطماعه التوسعية، ومطالبه المالية، فما كان من المعتمد للخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه إلا طلب المساعدة من المرابطين في المغرب، اذ كان بين خيارين لا ثالث لهما؛ اما ان يخضع لمطالب ملك قشتالة أو يستعين بالعرب من خلف البحر.
يومها قال ردا على سؤال ابنه: “رعي الجمال خير من رعي الخنازير”، بمعنى خير له ان يرعى الجمال أسيراً تحت حكم يوسف بن تاشفين من أن يرعى الخنازير أسيرا لدى الفونسو، فطلب من ابن تاشفين العون، وكان له ذلك في العام 1085، فخاضت الجيوش معركة الزلاقة الشهيرة التي اندحرت فيها قوات الفونسو، واستتب الأمر لفترة لابن عباد.
لكن تلك المعركة فتحت باب الاطماع المرابطية بالاندلس، خصوصا ان ملوكها العرب لم يكونوا متحدين ومن السهل السيطرة عليهم، كما ان دعوة المرابطين أساسا تقوم على التوسع، تماما كما هي حال جماعة الاخوان المسلمين حاليا، ولهذا حين طلب ابن عباد خروجهم من اشبيلية رفض ابن تاشفين ذلك، وبدأ يعد العدة للاستيلاء عليها، فخاض معارك مع جيشها، وردا على ذلك حاول ابن عباد الاستعانة بالفونسو لكن الاخير تجاهل الأمر، حتى انهارت مملكة اشبيلية ووقع ابن عباد أسيرا بيد المرابطين ونقل الى اغمات في المغرب العام 1091 ليقضي ما تبقى له من عمر في المنفى.
طوال سنوات الاسر رفض ابن تاشفين كل الوساطات للتخفيف من قيود الملك السابق، وكان يرد على الجميع بقوله: “هذا أمر الله في من تجبر على الناس بحكمه، واستعان بالكفار على المسلمين”، فهذا الأسير كان ينفق اموال الدولة بسخاء على شراء التحالفات والملذات، ويزهو بتحالفه مع ملك قشتالة.
في هذه القصة ثمة صورة واضحة عما آلت اليه حال الملك السابق لخصها في قصيدة كتبها بالسجن بعد زيارة ابنتيه له يوم عيدالفطر، حيث رأى المهانة التي وصلت اليها حالهما ومما قال فيها:

” وكنت تحسب أن العيد مسعدةٌ
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً
في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا
معاشهنّ بعيد العزّ ممتهنٌ
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعةً
عيونهنّ فعاد القلب موتورا”.

حياة الذل التي عاشها في الاسر، خصوصا بعد موت زوجته اعتماد الرميكية التي لم تحتمل تلك العيشة، ودفنت في فناء السجن حيث كانت العائلة تقيم، كانت واحدة من اكثر النهايات المأسوية لمن لا يعرف كيف يحافظ على دولته وملكه، ولهذا قال في القصيدة ذاتها:

“قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً
لما أمرت وكان الفعلُ مبرورا
وكم حكمت على الأقوامِ في صلفٍ
فردّك الدهر منهياً ومأمورا”.

وحتى يبقى التاريخ شاهدا على واحدة من النهايات المأسوية لدولة من دول الطوائف أمر المغفور له الملك الحسن الثاني في العام 1970 ببناء ضريح ومتحف للمعتمد بن عباد في المكان الذي عاش فيه اواخر أيامه، ليصبح مزارا وعبرة لمن لا يعمل وفق مصالح قومه وأمته وشعبه.
هذه القصة يمكن ان تشكل اليوم منارة لمن لا يدرك معنى الاستعانة بجماعات تسعى الى مطامعها الخاصة على حساب أمته، تماما مثل الذي يفتح بلاده لـ”الاخوان” الذين سنوا أسنانهم على الدول العربية، وتآمروا عليها، مثل المرابطين، وكأن هؤلاء ينبشون في بطن التاريخ ليستعيدوا سيرة تلك الجماعة التي تسببت في انهيار الخلافة الاسلامية في ذلك الوقت، وكذلك يستعين بالاعداء التاريخيين لأمته، وبأصحاب المشاريع الامبراطورية على غرار المشروع العثماني الحالي، متوهما انه بذلك يستطيع التغلب على محيطه وأهله وجيرانه الذين لن يجد في الملمات غيرهم سندا قويا وعضيدا لا يستهان به، اذا كان يدرك معنى قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): “يد الله مع الجماعة”.

أحمد الجارالله

You might also like