المعقول واللامعقول في الخطاب السياسي الفلسطيني

0 103

د. باسم عثمان

أي خطاب فلسطيني(رسمي او غير رسمي) في محفل دولي او سواه يتعلق بحالتنا الفلسطينية، ولا يستند على رؤية نقدية لواقع الحال، وتجديدية في أولوياتها ومسارها السياسي في بلورة رؤية وطنية ستراتيجية لا تنطلق من المحدد السياسي، بغض النظر عما يحمله هذا الخطاب من مصطلحات وتعابير”استنهاضية توصيفية “وعاطفية شعبوية، هو مراهقة سياسية همها الأساس مصالحها وامتيازاتها الفئوية الاجتماعية، وهو بمثابة بوليصة تأمين على حياتها واستمرارها ومصالحها.
أي خطاب يفتقر الى الإرادة السياسية وتوصيفاتها البرنامجية في لملمة ما تبقى من نزيف الجسد الفلسطيني وتشرذمه المتواصل جراء عبثية” اللعبة والمناورات السياسية”،ونتائجها الكارثية على المشروع الوطني، ووحدة قضيته، وحقوقه الثابتة، هو مجرد هراء استعراضي نتيجة الإفلاس والانبطاح الاستسلامي.
ان تفاقم وانحسار الحالة الفلسطينية، وتدني مستوى أدائها السياسي والديبلوماسي والاجتماعي المدني تتطلب بالضرورة الارتقاء عن المهاترات والخطابات الاستهلاكية، وأي بيان او خطاب فلسطيني(رسمي او تعبوي جماهيري) يجب ان ينطلق من المحددات السياسية أولا:
الغاء اتفاق أوسلو، وكل التزاماته واستحقاقاته، السياسية والأمنية والاقتصادية، وسحب الاعتراف الرسمي بـ”دولة إسرائيل” لحين اعترافها بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 67،والدعوة فورا الى حوار وطني شامل يضم كل القوى السياسية والفاعلة الجماهيرية من دون استثناء،وبلورة رؤية وطنية ستراتيجية توافقية توحد الشعب، سياسيا وتمثيليا وحقوقيا، وتكفل استنهاض قواه من خلال آليات عمل ميدانية، وعلى الأرض وليس من تحت الطاولة.
هذه الخطابات الاستعراضية والشعبوية، التي تستخف بوعي الجماهير، ورنانة إعلاميا، لا محل لها من الاعراب الا في قاموس سوق “النخاسة” السياسية، التي أوصلت الجماهير الفلسطينية الى حالة من اليأس والإحباط والاغتراب السياسي عن ذاتها وقضيتها والتنكر لقيادتها الرسمية.
فاذا كانت الانتخابات البرلمانية، أولوية برأي رئيس السلطة الفلسطينية (عباس)، وهو على حق في طرحه، حيث انها استحقاق وطني ومن أولويات التجديد في الحياة السياسية، وبوابة لطي صفحة الانقسام الداخلي، ومدخل أساس لاستعادة الوحدة الوطنية ووحدة النظام السياسي، لكنها تتطلب اطلاق اجندة الحوار الوطني الشامل فورا للتوافق على أسسها وترتيبها ومعاييرها، واذا اعتبرنا ان الانتخابات البرلمانية والرئاسية أولوية وطنية وبجدارة، فهذا يستدعي فورا التحرر من قيود النقيض السياسي والأخلاقي لهذا الاستحقاق الوطني والديمقراطي، وهو اتفاق أوسلو، واستحقاقاته، والعودة الى الاجماع الوطني التوافقي والتزاماته البديلة، والبدء في تطبيقه ميدانيا، واستنهاض الروافع والاليات البرنامجية (اجتماعيا واقتصاديا) للشعب نحو عصيان وطني شامل، كخيار بديل عن خيار المفاوضات العقيمة في ظل موازين قوى مختلة لمصلحة المشروع الأميركي–الإسرائيلي المعادي، والتحرك الديبلوماسي عالميا لتدويل القضية لكي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والأممية والانسانية تجاه الشعب الفلسطيني.
بينما الحديث المتكرر”إعلاميا” عن الغاء الاتفاق وملحقاته اذا أقدمت”إسرائيل” على ضم الغور وشمال البحر الميت، هو بحد ذاته تجاهل متعمد لما يجري من حقائق على الأرض، حيث عملية الضم والاستيطان والتهويد تسير على خطى ثابتة وعلى الطريقة “البنيامينية” الإسرائيلية ،”ويلي ما بشوف من الغربال بكون اعمى”، وهي محاولة يائسة لكسب المزيد من الوقت والرهان على بقايا”أوسلو” وخيار المفاوضات، وعلى الغير انتظار ما ستقدمه الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة والانتخابات الاميركية المقبلة من”اضغاث أحلام”.
ان موقف السلطة الفلسطينية، الذي عبر عنه خطاب الرئيس عباس في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، بات واضحا، لا لخطوة تصعيدية في وجه الاحتلال وسياساته، انما الاستسلام للأمر الواقع والامتثال لسياسة”حرب المواقع الثابتة”، وامام هذا المشهد من الحالة الفلسطينية تبرز الحاجة الملحة لتبني ستراتيجية شاملة، تعمل على استنهاض كل عناصر القوة داخل المجتمع الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لقضيته الوطنية، و ترتكز على فكرة مواصلة النضال والمقاومة باشكالها كافة، بحيث إذا أخفق مسار كفاحي معين، يتوجب تبني مسار بديل، وأن يتأسس برنامج النضال الوطني على فكرة تعزيز صمود الشعب فوق أرضه، وممارسة كل أشكال المقاومة والنضال ضد كل تجليات سياسات الاحتلال الاستيطانية، والضم الزاحف، وأن تتواكب المقاومة الوطنية الفلسطينية في مساراتها الموازية والمتصلة على امتداد جغرافية التواجد الفلسطيني في الداخل والشتات، فإذا كان الهدف المعلن لفلسطينيي الأرض المحتلة هو إقامة دولة مستقلة، وكانت مطالب فلسطينيي 48 هي المساواة والعدالة وضد سياسة التمييز العنصري، ومطالب فلسطينيي الشتات هي العودة؛ فإن الستراتيجية الشاملة، يجب أن تتضمن هذه الأهداف العادلة، وتصوغ برامجها الكفاحية على أساسها، بحيث تحافظ على وحدة الشعب وقضيته من خلال وحدة حقوقه لأن تهميش أي فئة من فئات الشعب الفلسطيني، داخل الوطن أو خارجه، ستؤدي إلى تقويض الهوية الوطنية الجامعة.
“أوسلو” تم نعيه منذ زمن طويل، بمرحلتيه، الانتقالية والنهائية، ولمن سارع إلى الاحتفال بموت”صفقة ترامب” وهزيمة نتنياهو، وهنا المراهقة السياسية بعينها، حيث إن”الصفقة الترامبية” تطبق على الأرض، وتخلق واقعًا ستكرسه أي حكومة إسرائيلية مقبلة، سواء أكانت حكومة وحدة وطنية برئاسة نتنياهو أم غيره، حتى وإن تأخر إعلانها في حالة توجه”إسرائيل” إلى انتخابات ثالثة، وتغير الأشخاص لا يعني بالمطلق الاختلاف على جوهر المشروع الصهيوني المناقض تماما للمشروع الوطني الفلسطيني، لذلك، فان الرهان على الغير والبعض من فتات مكرماته هو محض افلاس سياسي وانحطاط فكري.
لا بد لنا، نحن الفلسطينيين، من الانتقال، وبإرادة سياسية ووطنية عالية، الى مرحلة جديدة ونوعية، مرحلة ما بعد أوسلو، بعد طيه واستحقاقاته، وان نحتكم الى قوة الجمهور وارادته السياسية، أولا وأخيرا، وألا نقلد ما تمارسه الانتظارية السلطوية الفلسطينية من سياسات ومواقف، شاء من شاء وابى من ابى .
نحن احوج لمراجعة نقدية وطنية شاملة لكل سياساتنا وبرامجنا، وتحالفاتنا الداخلية والخارجية، والضغط على “طرفي نكبة فلسطين الثانية”، من الانقساميين والانتهازيين و”المصلحجيين”، للعودة الى رشدهم الوطني وتغليب مصلحة القضية وحقوقها على اجنداتهم الليبرالية والسلطوية الفئوية.
ان المراجعة النقدية الشاملة للحالة الفلسطينية وتجديدها استحقاق وطني بامتياز، وبغض النظر، أكان هذا التغييرُ والتجديد نتاجًا لمراجعةٍ فكريّة، أمْ لهزيمةٍ سياسية أو انهيار معنويّ، وما هو حقيقته واسبابه، الأهم في ذلك: نتائجه، خصوصا اذا طال هذا التغيير والتجديد في الحالة الفلسطينية الموقف من المستعمر وسياساته، وابجديات الحراك الوطني واولوياته في مواجهة الاحتلال ومستعمريه.
ان الحدّ الفاصل بين المراجعة النقدية لمسيرة العمل والتجربة النضالية من جهة، والاستسلام المطلق للانتكاسات السياسية، والانبطاح امامها من جهة أخرى، هو: القراءة الجيدة لمتطلبات المرحلة والتخلي عن امتيازات الذات للصالح العام ،لأن لا حلّ وسطيًّا، على المستوى النظريّ والايديولوجي والسياسي بين المبدئية زمنَ الانتكاسات، وبين الانبطاحية زمنَ الهزيمة، الثبات والاستسلام لا يلتقيان.
كاتب وباحث سياسي

You might also like