عمود كهربا

المعنى الآخر للمصداقية عمود كهربا

هديل الحويل

إذا لم تكن لنا «حاجة مادية» في معرفتنا أحدهم، وإذا لم تكن هناك مصلحة نسعى إلى قضائها من أحدهم أوعن طريقة، يكون لتقربنا من هذا الإنسان هدفا آخر اذا، لأنه لابد للتقرب من سبب، تماما كما يجب أن يكون للابتعاد سبب، وعليه يكون الدافع لهذا التقارب الخالي من الحاجة المادية هو«الحاجة الفكرية»، أي أننا نسعى بهذا التقارب والتواصل الإنساني الخالي من الفائدة الحسية إلى التبادل الفكري.
ولأن «الحاجة المادية» في الاتصال البشري بكل أنواعه تخضع لمفهومي الربح والخسارة، كان لذلك الاتصال أن يكون موضبا ومفبركا ومصنوعا ليتلاءم مع طبيعة هذا الاتصال، وليحقق أهدافه المادية، فنحن البشر نسعى بجل طاقاتنا إلى إبهار الأطراف المعنية، أو استغلالها، أو الإخفاء عنها، أوالمبالغة معها، لنثير فيهم رضى أوحنق يخدم غرضنا الاتصالي الأول بهم.
ولكن، أن يكون التبادل الفكري المبني -على أساس غير نفعي- غير حقيقي، فهذا ما يثير فينا الحيرة، ويشعل فينا فتيل التساؤل: لماذا يعمد بعض الناس إلى افتعال الاتصال الفكري بينهم إن كانوا لا يرجون منه سوى الاستغناء العقلي والنشوة الوجدانية؟ لماذا يخضع الفكر غير النفعي هو الآخر للتدليس؟ ولماذا بحق السماء قد يعمد بعضنا إلى تبادل فكر غير حقيقي ومزيف؟!
التبادل الفكري الانساني جل فائدته تقبع في قلب مصداقيته الأصيلة، تلك الحقيقة التي تتقدم بها العلوم عن طريق التجربة، أو الفنون عن طريق المجازفة، أو الآداب عن طريق النقل، لهذا فالاتصال الفكري يحتفظ بطبيعة حسية وجدانية متفردة لا تقوم إلا على المصداقية في نقلها وتأويلها وتبادلها وتشريحها، وإلا تسقط فائدتها عنها، وترتد حاجتنا لها في أوجهنا التي ما انفكت إلا وهي ترتدي أقنعة المصلحة.
اولئك الذين يرمون إلى الفائدة من وراء الاتصال الفكري عليهم أن يتشبثوا بأطراف الحقيقة وإن لم يقووا على سبر غورها، وعليهم إن لم يتحلوا بشجاعة الإقدام, أن يتواروا خلف أولئك المقدمين بهم للتطور، على ألا ينهزموا أبدا من السجال الفكري، وألا يرضوا بإلقاء سلاح الصدق في ما يفكرون حتى ولو خسروا معركتهم في وجه المنافع المادية، فالمادة تزول، لكن الفكر يبقى ولو فنى حامله أو ناقله.