المعيدي… أعيا الملك النعمان أعواماً ثم صار حاجباً على بابه

بقلم: أحمد بن محارب الظفيري

هذا مثل عربي شائع وذائع, مازلنا نستخدمه حتى هذا اليوم, ويضرب بالرجل صاحب الاخلاق الكريمة والافعال الغانمة الحميدة, لكنك عندما تراه يسقط من عينيك لانه حقير المنظر ضئيل الجسم دميم الخلقة.

زمان المعيدي

بعض المصادر تقول إن المعيدي صاحب هذا المثل عاش في عصر الملك العربي النعمان بن الاسود بن المنذر بن النعمان ملك الحيرة.
دام حكم الملك النعمان بن الاسود بن المنذر بن النعمان من سنة 500 ميلادية حتى سنة 504 ميلادية وهي سنة وفاته ونستبعد أن يكون “المعيدي” عاش في زمن هذا الملك.
لكن الرأي الذي نرجحه وترجحه اكثر المصادر الحربية, أن المعيدي عاش في عصر ملك العرب النعمان الثالث بن المنذر الرابع المكنى بابي قابوس, دام حكم الملك النعمان الثالث من عام 585 حتى عام مقتله 613 ميلادية حيث دعاه كسرى ابرويز ملك الفرس لزيارته, فغدر به, فقيده وسجنه في مدينة ساباط وبعد سنوات من سجنه القاه كسرى تحت ارجل الفيلة فداسته حتى مات في سنة 613, ولما توجه الملك النعمان إلى زيارة كسرى ابرويز ترك اسرته وامواله ودروعه وسلاحه وديعة عند قبيلة بني شيبان, ولما مات الملك النعمان طالب كسرى ابرويز بوديعة النعمان باعتبار النعمان من مناصيبه فرفضت بني شيبان طلب ملك الفرس كسرى ابرويز فارسل لهم جيشا كبيرا, ودارت بين الطرفين على ارض ذي قار معركة عنيفة جدا انتصرت فيها قبيلة بني شيبان على جيش كسرى ابرويز انتصارا ساحقا في يوليو من عام 613 ووصلت اخبار هذه المعركة الى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
في بداية دعوته قال: اليوم انتصف العرب من العجم وبي نصروا.
ابوقابوس النعمان الثالث هو صاحب الشاعر النابغة الذبياني زياد بن معاوية, قال النابغة الذبياني مادحا الملك النعمان:
ألم تر ان الله اعطاك سورة… ترى كل ملك دونها يتذبذب
كأنك شمس والملوك كواكب… اذا طلعت لم يبد منهن كوكب

أصل المعيدي

المعيدي: تصغير معدي, وهو رجل منسوب الى حي من احياء العرب هو معد ومعد بن عدنان جد من اجداد العرب عرفت ذريته بانهم اهل قشف وغلظ في المعاش في التحضري والتبدوي. قالت العرب: عليكم باللبسة المعدية اي خشونة اللباس, والتمعدد اي الصبر على العيش. قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تمعددوا ولا تستنبطوا, ويذكر الاخباريون العرب في مروياتهم ومؤلفاتهم ان معد بن عدنان هو الجد الاعلى لكل القبائل العدنانية الشمالية.
ومعد بن عدنان انجب نزار ونزار, انجب اربعة ابناء هم مضر وربيعة واياد وانمار والى هؤلاء الاربعة تنتسب كل القبائل العدنانية.
ومعد بن عدنان كما جاء في مراجع العرب القديمة وحكاياتهم ينحدر من جد اعلى بعيد هو: نبي الله اسماعيل بن نبي الله ابراهيم ونبي الله ابراهيم هو من الكلدانيين الذين هاجروا من جزيرة العرب بعد انتهاء دورة البرودة والامطار ودخول دورة الحرارة والجفاف وكونوا لهم في الالف الثالثة قبل الميلاد مملكة في جنوب العراق, ويرجعون باصولهم القديمة الى العرب العاربة التي ترجع بنسبها إلى يعرب بن قحطان.
وعندما بدأ نبي الله ابراهيم دعوته التوحيدية غادر قومه مع جماعته ورجع متبدويا الى الصحراء العربية, لقد اثبت علماء الجيولوجيا والآثار واللغات القديمة ان جزيرة العرب هي الموطن الاساسي لكل الهجرات الى البلدان المحيطة بها, وهذه الجزيرة اسمها عربي والناس الذين يعيشون عليها اسمهم عرب ولغتهم عربية, وبالتالي فالعرب شماليون وجنوبيون هم من ذرية يعرب بن قحطان فالجميع عرب عاربة اي صرحاء خلص في عروبتهم, وليس هناك عرب مستعربة, كما يصنفهم العرب الاخباريون القدامى وهم معذورون لانهم لم يعرفوا قراءة الكتابات العربية القديمة كالآشورية والكلدانية والسبائية والعبرية والكنعانية التي قرأت وعرفت معانيها في عصرنا الحالي بفضل علماء اللغات القديمة من الغربيين.

الاسم الكامل للمعيدي وسيرته الذاتية

اختلفت المعاجم والمراجع العربية في اسم المعيدي, قيل إن اسمه شق بن ضمرة بن جابر التهشلي من بني دارم وقيل إن اسمه شقة بن ضمرة التميمي, وقيل ان اسمه شقة بن ضمرة المعيدي ويرجح أن اسمه الصحيح الذي ينادى به هو الاسم الاخير اي شقة بن ضمرة المعيدي علما بأن بني دارم تقطن منطقة كاظمة وترجع بنسبها الى قبيلة بني تميم وبني تميم ترجع بنسبها الأعلى الى معد بن عدنان.
يظهر لي أن المعيدي شقة او شق بن ضمرة, كان شيخا من شيوخ قبيلته ومن الشعراء الشجعان في العصر الجاهلي وكان ضئيل الجسم بدويا في الصحراء يرعى الإبل ويعزب بها في الفلاة, لذلك ذكره الشاعر النابغة الذبياني بقوله:
ضلت حلومهم عنهم وغرهم… سن المعيدي في رعي وتعزيب
وحتى عرب اليوم في جزيرة العرب يطلقون على الرجل ضئيل الجسم شقفة او شقة رجال.
كان المعيدي يغير على مسالح جمع مسلحة وهي الحامية العسكرية الملك النعمان بن المنذر, واذا سنحت له الفرصة انقض على اطراف مملكته ونهب منها ما يقدر عليه, وارسل الملك النعمان السرايا العسكرية لقتل المعيدي او القاء القبض عليه, لكنها عجزت عن المعيدي لانه يتحصن بمجاهل الصحراء البعيدة فهو بدوي خبير بمسالك الصحراء وبموارد المياه وشجاع فارس لا يقعقع له بالشنان.
واخيرا اضطر ملك العرب النعمان ان يعطي وجهه وامان الله والف ناقة من الابل الى المعيدي بعد أن اعياه واشجاه هذا المعيدي.
وبعد أن وصلت رسالة الملك النعمان الى المعيدي, ركب ذلوله الذلول: ناقة الركوب الاصيلة وتوجه الى مدينة الحيرة تقع قرب مدينة الكوفة بالعراق ودخل على الملك النعمان وعرفه بنفسه بانه هو شقة او شق بن ضمرة المعيدي, فلما نظر الملك النعمان إلى شكله وهيئته وصغر جسمه ازدراه واستحقره, وقال له: يا معيدي إن خبرك خير من مرآتك, وان تسمع بالمعيدي خير من ان تراه وهو أول من قالها فذهب مثلا. فقال المعيدي: مهلا ابيت اللعن فانما المرء باصغريه: لسانه وقلبه, ان نطق ببيان وان قاتل بجنان فاعجب به الملك وولاه بابه “جعله حاجبا” وديانة المعيدي هي النصرانية وكذلك الملك النعمان.
من اراد المزيد عن المعيدي فليراجع: سمط اللآلى لابي عبيد البكري, والعقد الفريد لابن عبدربه والبيان والتبيين للجاحظ والكتاب لسيبويه, والاعلام للزركلي, وشعراء النصرانية للويس شيخو.

من المعدان والمعيدي في عصرنا?

عرب الاهوار (جمع هور) الذين يسكنون المسطحات المائية الفائضة من نهري دجلة والفرات, يسمون بالمعدان والواحد منهم معيدي, وجل حلالهم من الجاموس المتعود على العيش في المياه, وقراهم منتشرة في الاهوار (المسطحات المائية) ويصنعون بيوتهم من القصب والبردي النابت وسط الاهوار حيث يصنعون قاعدة للبيت من القصب والبردي المضغوط ويسمون هذه القاعدة (كبشة) يرتفع عليها البيت ويستخدمون القوارب الخشبية الصغيرة المزفتة في تنقلاتهم وسط الاهوار. وهؤلاء المعدان يرى بعض المؤرخين والكتاب انهم ينتسبون الى جد العرب معد بن عدنان فالمعدان من الاقوام العربية القديمة التي استوطنت جنوب العراق.

الصعلوك في كلام العرب

كاتب هذه السطور من قراء عمود “ما قل ودل” للأستاذ الفاضل ناصر العتيبي – حفظه الله – ولفت نظري ما جاء في عمود السبت 9/5/9002م في الصفحة 81 من جريدة السياسة الغراء, وفيه يقول عن الصعاليك: “إن هناك صعاليك رشحوا أنفسهم للانتخابات رغم أن عاقلا في الكويت سوف لن يعطيهم صوتا واحدا… لكن الصعاليك وخصوصا “المهجنين” بطبيعة الحال يتكتمون على معدنهم وما يتسم به من صفات الاحتيال والنصب والطمع والتحايل والكذب… فهم يدعون العفة لكنهم يعملون كل شيء يسيء إلى كرامة المرء والمجتمع… وقد قالت العرب عن الصعاليك: لا تسأل الصعلوك عن مذهبه”.
الصعلوك هو الفقير, وتعليقنا على ما ذكره الأستاذ الكريم ناصر العتيبي هو الآتي:
الصعلوك – في لغة العرب الفصيحة – هو: الفقير الذي لا مال له.
والتصعلك: الفقر. قال جواد العرب حاتم بن عبدالله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني “ت64ق.ه¯/875م”:
غنينا زمانا ب¯ “التصعلك” والغنى
فكلا سقاناه, بكأسيهما, الدهر
فما زادنا بغيا على ذي قرابة
غنانا, ولا أزرى بأحسابنا الفقر

والعرب الأواخر في بوادي وحواضر جزيرة العرب يستعملون لفظة “الصعلوك” بمعنى الفقير المعدم, لنستمع إلى هذه الأبيات الشعبية من قصيدة عاشق سارة وهو يتوجد على عشيقته:

يا وجودي وجد مكسور الجباره
ساهر تسعين ليله ما يباتي
أو وجود اللي فضى الحاكم دياره
واخذ ماله والحريم مسلباتي
عقب ما هو تاجر راعي عماره
صار “صعلوك” علومه هيناتي

إذن, المعنى الأول للصعلوك عند العرب الأوائل والأواخر هو: الفقير الذي لا مال عنده.
الصعلوك هو الخارق لأعراف القبيلة, الخليع المطرود ثم توسعت العرب في استعمال كلمة “الصعلوك” فأطلقتها على الرجل “الخليع” أي المخلوع رسميا من قبيلته بسبب جرم ارتكبه لا تقره عليه أعراف القبيلة وآدابها كقتله لأحد أفراد القبيلة أو السرقة من القبيلة أو الاعتداء على ضيوف وجيران القبيلة أو على إحدى نساء القبيلة, ويجب أن يثبت الجرم بالمحاكمة عند قاضي القبيلة المتخصص بالأمر. وكانت العرب في الجاهلية “العرب الأوائل” إذا ما خلعت رجلا من رجالها, أعلن شيخ القبيلة بأن القبيلة قد خلعت “فلان بن فلان” وأذاعت الخبر في الأسواق والمجتمعات العامة وبالتالي فإنها تتبرأ منه ولا تحمل عنه جريرة ولا تحميه من أي عدوان يقع عليه فهو مهدور الدم, فكانت قبيلته كمن يحكم عليه بالإعدام فهو مخلوع من ذمتها ومقطوعة صلته بها.
وإذا لم يجد “الخليع” أو “الصعلوك” – والمعنى واحد – قبيلة تجيره وتحميه راح يجمع حوله عصابة من الخارجين رسميا عن نطاق قبائلهم وهؤلاء “الصعاليك” – بعض المصادر تسميهم “الذؤبان” – يصبحون خطرا على طرق القوافل وعلى القرى والأحياء الهادئة.

في معاجم لغة العرب: الصعلوك
هو الذئب الجاني وجماعته الذؤبان

الخليع والمخلوع: الرجل يجني الجنايات فتتبرأ منه قبيلته ويقولون: إنا خلعنا فلانا فلا نأخذ أحدا بجناية تجنى عليه, ولا نواخذ بجناياته التي يجنيها. وأطلق العرب القدامى على الخليع مسمى “الصعلوك” أو “الذئب” فقالوا: “صعاليك العرب” أو “ذؤبان العرب” لأنهم كالذئاب في الصحراء. وذؤبان جمع ذئب. ومع مرور الزمن تجمع هؤلاء الصعاليك مع عوائلهم في مجاهل الصحراء واعتمدوا في حياتهم على السلب والنهب وتمردوا على نظام القبيلة والدولة,

* باحث في التاريخ والتراث
aaldhafiri@yahoo.com