الملك سلمان وسياسة الاعتدال

0 9

بُنَي دين الإسلام الحنيف على السماحة والوسطية وعدم التشدد، فقد ورد في السنة الشريفة “اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين” وقد مارس سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نهج الاعتدال طيلة حياته سواءً فيما يتعلق بالعبادة أو الحياة العامة ،وجميعنا نعرف قصة الصحابة الثلاثة الذين جاؤوا لمنزل الرسول عليه الصلاة والسلام يسألون عن كيفية عبادته ، فلما أجابتهم أم المؤمنين كأنهم تقالوها وقالوا : كيف بنا ورسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فعزم أحدهم على قيام كل الليل ،والثاني على صيام جميع الأيام ،والثالث على اعتزال النساء، فلما حضر النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله قصت عليه أم المؤمنين خبر هؤلاء الثلاثة وما عزموا عليه في حياتهم ،فقال عليه الصلاة والسلام : إني والله لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأنام ،وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني؟ كما أنه في أحد أعياد الفطر دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه منزل رسول الله عليه الصلاة والسلام ورأى في المنزل جاريتين تدفان فاستنكر أبو بكر ذلك قائلاً: أمزمار في بيت رسول الله ؟وكان الرسول صلى الله عليه وسلم متكئاً فقام وقال مخاطباً أبا بكر: دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا واليوم عيدنا ولتعلم اليهود أن في ديننا فسحة. وإضافةً لذلك فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أوحى إليه عن أشياء سوف تحدث بعده ومنها فتنة الخوارج ،وقال للصحابة الكرام : “صلاتهم أكثر من صلاتكم وقراءتهم أكثر من قراءتكم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم” وذلك لمخالفتهم المنهج الصحيح.
والمملكة العربية السعودية منذ أن توحدت سنة 1931م على يد الملك عبد العزيز رحمه الله وهي تسير على الحنيفية السمحة والإسلام المعتدل ،إلى أن حصلت فتنة الحرم الشريف سنة 1980 من قبل بعض المتشددين والمتطرفين ،وما تلاها مما يسمى بالصحوة التي نهجت مبدأ التشدد والتحريم من دون دليل في كثير من الأحيان ،وهو الأمر الذي ترتب عليه انعزال المجتمع السعودي وحرمانه من وسائل الترفيه التي لا تتعارض مع ثوابت الدين وتقاليد المجتمع ، فالسينما مثلاً كانت موجودة ومع إنها غير منظمة وتعرض في قاعات غير مناسبة إلا إنها كانت تشهد إقبالاً كبيراً، كما أن الحفلات الغنائية كانت موجودة وكانت أكثر تنظيماً من السينما ،وكانت تشهد إقبالا من مختلف فئات المجتمع، كما أتذكر أن الموسيقى الهادئة غير الصاخبة كانت تبث في وسائل النقل بما فيها الطائرات والفنادق والمطاعم والمحلات العامة ، فكل ذلك تم تحريمه بين عشية وضحاها بسبب النهج المتشدد الذي تبناه منتسبو الصحوة.
والملك سلمان بعد أن تولى الحكم أراد وولي عهده الأمير محمد بن سلمان إخراج المجتمع من هذا التشدد والتزمت، والعودة به إلى الحياة الطبيعية التي لا تتعارض مع سماحة الإسلام، فما نراه اليوم من تطور اجتماعي في المملكة كالسماح للمرأة بقيادة السيارة وافتتاح دور سينما مراقبة ومنظمة وإقامة الحفلات الغنائية للفنانين السعوديين وغيرهم من الفنانين العرب، وفتح مجالات عدة لتوظيف الشباب السعودي ذكوراً وإناثاً ينضوي في هذا الإطار، ولكننا مع الأسف نرى في الوقت نفسه أن الذين يتحفظون على هذا الانفتاح وبالذات من وسائل إعلامية مأجورة كانوا ينتقدون حالة التشدد السابقة التي كانت عليها المملكة ،ما يدل على أن هدفهم ليس موضوعياً بل الإضرار بالمملكة وتشويه سمعتها.
كاتب سعودي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.