المنهج المرجع شفافيات

0 119

د. حمود الحطاب

العالم الإسلامي تلقى رسالة عظيمة شاملة كاملة فيها التوجيه نحو معرفة الله الخالق، وهذا أهم ما يجب أن يكون في اولويات البشر العاقل المميز بالعقل بين جميع الكائنات، فكل المعارف الإنسانية لا تتقدم على هذه المعرفة الخطيرة أو السهلة التي أدرك سهولتها الأعرابي في الصحراء، حين سئل عن كيفية اهتدائه لوجود الخالق، فأحرج كبار المفكرين والفلاسفة والعلماء الذين تاهو في التفكير، فكفر بعضهم وأشرك بعضهم، بل ألحد بعضهم وأنكر وجود خالق له وللكون من حوله، حين قالها بمنطقية استدلال العقل:”البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير؛ أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج أفلا تدل على اللطيف الخبير”؟
لقد أحرج العالم الذي استطاع أن يصل للقمر ويسعى للكواكب، يريد الوصول اليها ولم يصل قبل ذلك الى ما وصل اليه ذلك الأعرابي؛ فوجود مخلوق يدل على وجود خالق. وجود مصنوع يدل على وجود صانع. قلت ذات مرة لتلاميذي الذين كنت أدرسهم التربية الإسلامية في المرحلة المتوسطة في أول سلم حياتي التعليمية، وكانوا شديدي التعلق بي والى اليوم يقابلونني ويتذكرون كلامي حين اقابلهم، وقد اصبح العديد منهم في مراكز مرموقة وقياديين، قلت لهم ذات يوم: هل رأيتم سيارتي؟ فقالوا:” نعم انت عندك “مرسيدس” رمادية”.
وكان والدي رحمه الله اشتراها اثناء ما كنت أدرس خارج الكويت، وأعطيت لي، وقد اشتراها وهي تجاري من عثمان الغانم الرجل الصالح، رحمه الله.
قلت للتلاميذ: إن سيارتي هذه قد وجدتها أمام البيت، ولم اشترها ولم يصنعها أحد.
فضحكوا كثيرا وقالوا” كيف ذلك يا أستاذ”؟
قلت: إن كتلة من الحديد كانت تدور في السماء فتأثرت بشدة حرارة الشمس، وهي تتقلب في الفضاء فتشكلت كتلة الحديد على شكل سيارة “مرسيدس 350 اس ال”.
فضحكوا وقالوا:” لا يمكن”.
قلت: وبينما هي تتقلب في الفضاء جاءت عاصفة هواء قوية من الأرض مرت على أشجار المطاط، اتعرفون أشجار المطاط؟ وشرحت لهم عنها قليلا، ولما مرت العاصفة على تلك الأشجار وهي تدور صنعت لسيارتي الـ”تايرات”، فزاد ضحكهم وتعليقاتهم. وقالوا:”مستحيل”. وقلت: إن عاصفة أخرى قد حدثت بالقرب من مجموعة من الابقار فانتزعت جلودها وطارت الجلود في الهواء، وتشكلت على شكل “كشنات” السيارة، ودخلت في السيارة وصارت فيها مقاعد…وهكذا… وهكذا كل شيء في السيارة قد صنع بهذا الشكل، وعاصفة اخرى انتزعت من الرمال الزجاجية الزجاج فمرت على حرارة الشمس وكونت زجاج السيارة، الأمامي والخلفي، ومصابيح السيارة الأمامية والخلفية، وساعاتها وعداداتها.
فاختلط الحابل بالنابل في الصف وقالوا:” لا يمكن… لا يمكن”.
فقلت لهم: اذا كنتم لا تصدقون ذلك عن سيارة واحدة، فهل تصدقون عن ملايين السيارات المتنوعة أنها صنعت صدفة بهذا الشكل؟
فقالوا:” لا طبعا”. فقلت: فكيف ترون في خلق الإنسان عيون وفم منظم الاسنان، ولسان ناطق، وأنف يستنشق الهواء، ورأس مغطى بالشعر الجميل، وأيدي متناسقة الطول، تنتهي بكف واصابع، ورجلين يمشي بها الانسان، ومعدة تهضم الطعام، وعقل مفكر مدبر قد خلقت لملايين الناس في كل مكان بالاطوال نفسها، والتقديرات المتناسقة، وطيور جميلة ذات ألوان رائعة من الريش تطير في الهواء، واسماك جميلة متنوعة الاشكال والالوان تعيش داخل الماء وأشجار، وزهور ونباتات وبحار وجبال وشمس وقمر، هل يمكن أن تكون خلقت بالطريقة نفسها التي قلت لكم إن سيارتي صنعت بها؟
فقالوا:” لا طبعا فإن الله قد خلق كل هذا”.
هكذا هو منهج الاسلام في الحياة كلها” أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون”، لكن عقول البشرية تضل ضلالا بعيدا، فيهديها الله برسالاته ورسله وكتبه، فيقولون لأنبيائهم ببرود وسخافة منطق وسخافة تفكير: من يحيي العظام وهي رميم، فيرد الله بيسر وقرب من الفكرة:” قل يحييها الذي أنشأها أول مرة”، وقد ضل الكثير من الأمم لابتعادهم عن منهج التفكير، ومرجع الفكر، وتاهوا في الظلمات من دون مرجع عقلي، وتفوق عليهم ذلك الأعرابي بمنهج المنطق والاستدلال.
قال تعالى في سورة النبأ:” فمن شاء اتخذ الى ربه مآبا”، مرجعا يهديه للصواب والحكمة والعقل، واني قد رأيت البشر يعذبون انفسهم في ضلالهم البعيد. ورأيت الأمة الإسلامية تتوه جموعها ضلالا وضعفا بعيدا عن مآبها، فترتمي في أحضان أعدائها، وتقع في فخوخهم كما يقع الطير الساذج في الفخ تغريه دودة وضعت على لسان ذلك الفخ.
\ \ \
نيويورك. الولايات المتحدة الأميركية. الساعة الثالثة قبيل الفجر. ولتبق هذه المعلومة ذكريات نحو أربعين مقالة أخيرة كتبت في مختلف الولايات المتحدة الأميركية معظمها تفسير للقرآن الكريم؛ ولها طعم آخر في بلاد العلم والحضارة…الى اللقاء.

كاتب كويتي

You might also like