المنهج النبوي في تدبُّر وتفهُّم وتعقُّل القرآن الكريم مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن 14

0 6

القاهرة: محمد إسماعيل
يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظاً وفهماً وعملاً، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالاً لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.
يؤكد الدكتور صالح يحيى صواب في دراسة له بعنوان “المنهج النبوي في تدبر القرآن الكريم”، أنه مما يقتدى به ويؤخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم الوحي المنزّل من الله تعالى، وكيفية تلاوته، وترتيله، وتدبره والتعبّد به. ولا شك أنه صلى الله عليه أعلم الناس بالقرآن تلاوة، وفهما، وتدبّرا، وتطبيقا، وعلى البشرية أن تسير على نهجه وتهتدي بهديه، وتقتدي به في كل الأمور. فهناك مواقف كثيرة تأثر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن تأثرا واضحا، ولكي نتأثّر بالقرآن ونتدبّره فينبغي لنا أن نقتدي به في كيفية تعامله مع القرآن الكريم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أتقى الناس لله –تعالى- وأخشاهم له، ومن آثار ذلك بكاؤه عند تلاوة القرآن، وتأثره به. ومن المهم أن نقف على حال النبي صلى الله عليه وسلم عند تلاوته للقرآن، لنقتدي به في ذلك ونسير على نهجه، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
وكانت طريقة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرتل القرآن كما أمره الله –تعالى- كما روت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها قالت: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في سبحته (السبحة: بضم السين وإسكان الباء: النافلة) قاعدا، حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدا، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها”.
وعن قتادة رحمه الله انه قال: “سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مدا، ثم قرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم”. وعن أم سلمة – رضي الله عنها- أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يقطّع قراءته آية آية: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وإخراج كل حرف من مخرجه من دون تداخل بين الحروف يوضّح معنى الآية، ويعطي فرصة للعقل ليفهمها، وللقلب كي يتأملها، ومن ثم تقع الموقع المناسب فيتأثر بها القارئ والمستمع. ولهذا ذهب علماء التجويد إلى أن القراءة بالتجويد واجب على القارئ، كما قال ابن الجزري: والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجوّد القرآن آثم، وذلك أن القراءة سنة متبعة تلقاها الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يرتّل القرآن ويجوده، فوجب القراءة بالتجويد.
الترسل في القراءة
يقول الإمام البخاري في كتاب ” فضائل القرآن”: أن من منهج النبي في تدبر القرآن الترسل في القراءة، وهو أمر زائد على التجويد والترتيل، وذلك بأن يقرأ القارئ القرآن متمهلا، ولا يقتصر على جودة الأداء فقط كما هي الحال في التجويد، بل يتأمل ما يقرأ ويفهمه ويقف عنده. وقد ثبت الترسل في قراءة القرآن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: “صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا….”، (الحديث أخرجه مسلم في صحيحة). فقول حذيفة رضي الله عنه في وصف قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: “يقرأ مترسلا” دليل على أهمية التأني في القراءة.
ولا شك أن التأني في القراءة يعطي القارئ والسامع الوقت الكافي لفهم النص، ويجعل القلب يتأثر بالنص المسموع ويركّز عليه. وقد أخبر سبحانه وتعالى أن من واجب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن على أمته بتمهّل وروية، فقال سبحانه: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا)، (سورة الإسراء الآية: 106)، وذلك لتحصل الاستفادة والاتعاظ من سماع القرآن، وذلك لا يكون إلا مع التمهل وعدم العجلة. ولم تكن عادة النبي صلى الله عليه وسلم الاستعجال في القراءة، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم ختم القرآن في ليلة، فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: «ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، صلى ليلة إلى الصبح»، أخرجه مسلم في صحيحة.
ويلفت الدكتور عبدالقادر سليماني في كتاب “تدبر القرآن الكريم حقيقته وأهميته في إصلاح الفرد والمجتمع”إلى أن طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين كانت التأني في القراءة وكراهية قراءة القرآن بسرعة تخل بالمعنى، ويدل على ذلك ما رواه أبوسعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة، فشقّ ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله، فقال: الله الواحد الصمد ” أي: سورة الإخلاص” ثلث القرآن)، صحيح البخاري.
والشاهد من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لما ندبهم إلى قراءة ثلث القرآن شقّ ذلك عليهم واستعظموه وجعلوه أمرا صعب المنال، بقوله: (وأينا يطيق ذلك يا رسول الله)؟ وهذا يدل على أن قراءتهم كانت قراءة متأنية ولو كانت قراءة سريعة مستعجلة لما صعب على أحدهم قراءة ثلث القرآن، وهو عشرة أجزاء، وهم الذين يمضون ليلهم ركّعا وسجودا.
وهذا يدل على خطأ من يسرع في القراءة بحيث يخلّ بتجويد القرآن، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن القراءة السريعة سبب في عدم فقه القرآن الكريم، ويجب على قارئي القرآن، وعلى أئمة الصلوات وبخاصة في رمضان أن يترسّلوا في قراءتهم تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وألا يكون همّ أحدهم ختم القرآن أو أجزاء منه من دون فهم وتدبر.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.